قام «توماس كارلايل» في كتاب «الأبطال» الذي ألفه سنة 1841 بتفسير التاريخ والانتقالات الحضارية الكبرى على أساس جهود الأبطال، فهو يؤكد أن تقدّم الأمم انعكاس وتطور للهمّة العالية لدى بطل يظهر في تلك الأمة.

ومن أقواله الخالدة: «إن التاريخ العالمي، إنما هو في صميمه تاريخ الأبطال وما أنجزوه.. إنهم روح التاريخ العالمي كله». لكن «أين البطل: إنه ليس هناك، لم تبعث به العناية السماوية بعد، ويتراجع المجتمع، لأن البطل لم يظهر حين نودي عليه».

نعم إن البطل هو صانع التاريخ، هنا نتفق مع «كارلايل».. لكن هل لنا أن نختلف معه في من هو الذي يصنع البطل؟ ونقول إن البطل ليس مبعوث من السماء، وإنما هو محصلة قوى اجتماعية وفكرية واقتصادية. وان البطل يصنعه المجتمع، ثم يعود البطل فيدفع المجتمع إلى الأمام.

نقول هذا لأننا لا نريد أن ننتظر مجيء البطل، بل نريد أن نعمل على صناعته، لاسيما أننا نعيش في عصر العلم والتكنولوجيا والإدارة العالمية، ويقف التاريخ المعاصر، لاسيما في مجال الرياضة، دليلاً على أن الأبطال ليسوا فقط مجرد مواهب، وإنما هم محصلة عمل أجهزة متعددة في الدول المتقدمة التي تكتشف المواهب والطاقات وتعمل على توجيهها فيما يناسبها من مجالات البطولة، ثم تعمل على تنمية روح البطولة ومواهبها على أساس من برامج علمية متقدمة يقوم عليها خبراء وعلماء.

لقد مر وقت طويل كان يترك ظهور البطل لعوامل الصدفة والجهد الفردي وطبيعة البطل الفطرية، أما في عصرنا، فقد صار البطل صناعة احترافية تقوم عليها مؤسسات كاملة على أساس منهجي ورؤية متكاملة وخطط طويلة الأمد تقوم على بنية تحتية متكاملة وتنافس محلي قوي لفرز الأفضل والأصلح، ولن يتأتي هذا دون دراسات علمية رصينة متعددة الآفاق، فلا تقف عند الإعداد البدني والمهاري، بل تتجاوز ذلك إلى الإعداد العقلي والنفسي الذي يبدأ منذ الصغر.

فالبطل لا تصنعه فقط المقومات العقلية، والمقومات النفسية لأن البطل ليس آلة، بل هو إنسان لابد أن تتكامل مقوماته المختلفة وتتوازن وتعمل معاً بانسجام تام حتى يتفوق على غيره.

وإذا كانت أهمية المقومات البدنية والمهارية معروفة، لكن للآسف لا يزال البعض بعض أهمية ثانوية للمقومات العقلية والنفسية، ولا يزال يوجد من يخلط بينهما. ولذا علينا أن نميز بين العقلي والنفسي، كما علينا أن نميز بين طرق الدعم النفسي وطرق التدريب العقلي.

إن الدعم النفسي يتعلق بالتوازنات الإنفعالية وكيفية التغلب على العصبية والقلق والتوتر وتحويلها إلى طاقة إيجابية فاعلة، وطرق بناء الثقة بالنفس ومواجهة الضغط النفسي الذاتي، وكيف يمكن أن يصل اللاعب إلى الثبات الانفعالي وعدم الاهتزاز تحت ضغط الخصم أو الجماهير، من خلال التحفيز الذاتي.

أما الدعم العقلي فيتعلق بتكوين العقل المفكر الذي يستطيع أن يدير البدن، ويوظف المهارة، ويقود النفس ويقرأ الملعب، بل ويقرأ الخصم، وقبل ذلك يقرأ مدربه وأعضاء فريقه، ويستطيع أن يتواصل معهم، بل ويستطيع أن يتوقع ما سوف يصدر عنهم في الملعب. وكيف يحافظ على تركيزه طوال المباراة بل وقبلها.

وأحسب أن أحد التحديات التي تواجهنا ليست هي صناعة البطل فقط، بل هي في المقام الأول صناعة الفريق البطل. وهي مهمة أشق، لأن صناعة البطل الفردي هي مجرد خطوة، كما أن الفريق البطل ليس هو مجرد مجموعة من الأبطال، بل أيضا صناعة روح الفريق الواحد ومهارات اللعب الجماعي وتحويل العقول الفردية إلى عقل جماعي واحد يعزف لحناً واحداً.

وهي صناعة تستلزم قبل صناعة البطل، صناعة الأطراف المعنيين بصناعته، أعني صناعة المدرب والإداري والجمهور والإعلام.

فلابد من اعداد المدرب الكفء الذي يواكب فكرة كل مستجدات عالم التدريب، والمتمكن من علوم التدريب المختلفة ومبادئ التدريب العلمي، حتى يستطيع تحسين نوعية التكتيك وتطويره، وينمي القوة الذهنية للاعبين، ويحسن عمليات التركيز خلال التدريب والمنافسة، ويقصر الإرهاق، ويساهم في إسراع استعادة القوى، ويقلل من خطورة حدوث الإصابات، وقبل ذلك يستطيع انتقاء اللاعبين الموهوبين، وتنمية قدراتهم، ويستطيع توظيفهم، والدفع بهم في الوقت المناسب حسب قدرات كل منهم على تنفيذ المهام.

ولابد من إعداد الإداري الكفء الحامل لثقافة الاحتراف، والذي يجيد كل عمليات الإدارة الرياضية كإدارة احترافية تحمل قيم التواصل والحسم والحلول الإدارية غير التقليدية، كما لابد من تهيئة الجمهور لجو البطولات، ونشر ثقافة الاحتراف بينه، وبث طرق التشجيع الإيجابية، فضلاً عن تعريفه بطرق الدعم النفسي للاعبين، وأساليب تقليل الضغط النفسي عليهم في الملعب.

وأحسب أن الإعلام الرياضي له دور كبير في هذا المضمار لنقل ثقافة التشجيع الاحترافي للجماهير. ومن هنا نجد أن هيمنة الفكر الاحترافي على الإعلاميين الرياضيين باتت ضرورة ملحة، فعلى الإعلام أن ينتقل هو الآخر من تحليل الهواة للمنافسات إلى التحليل الاحترافي، الأمر الذي يحتم ضرورة أن يكون لدى الإعلاميين ثقافة رياضية احترافية متكاملة تقوم على أسس علمية ومنهجية.

وأن يخضعوا لدورات تثقيفية متعمقة للمنافسة التي يعلقون عليها أو يحللونها، حتى يمكنهم تجاوز مرحلة التحليل الانطباعي، أي التحليل الذي يعكس مجرد انطباعات شخصية عامة دون تحليل علمي رصين.

إن كل هذه الجوانب ضرورية لصناعة البطل سواء كان بطلاً فردياً أو فريقاً بأكمله. وبدون أي منها لن نتمكن من تحقيق ما نصبو إليه. وعلاوة على ذلك فإن هذه الجوانب يجب أن يتم تفعيلها في إطار من ثقافة الاحتراف، التي تجعل جميع الأطراف ـ اللاعبين والمدربين والإداريين والجمهور والإعلاميين ـ يتعاملون مع الرياضة كمهنة وأسلوب حياة وليس مجرد هواية ومتعة.

والتحدي الذي نواجهه اليوم هو كيف نبث ثقافة الاحتراف في عالم الرياضة الإماراتية، كخطوة ضرورية لتهيئة الجو العام لمفهوم صناعة البطل الرياضي، فثقافة الاحتراف هي البيئة الصحية التي يتنفس فيها البطل الرياضي، ذلك البطل الذي يعد ممكناً صناعته دون أن يكون محترفاً يعطي كل حياته لرياضته التي ينتمي إليها.

وإذا كانت توجيهات سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي رئيس المجلس التنفيذي رئيس مجلس دبي الرياضي رئيس النادي الأهلي، في محلها عندما أطلق المجلس مشروع التحول من الهواية إلى الاحتراف، والذي يأتي ضمن استراتيجيته الرامية إلى تطوير الرياضة في أندية الدرجة الأولى في إمارة دبي والارتقاء بها ووضعها في مصاف العالمية، علاوة على سائر الألعاب الجماعية والفردية.. والله من وراء القصد.

عضو مجلس إدارة ورئيس اللجنة الثقافية لنادي الأهلي ـ دبي

opinion@albayan.ae