إذا كان المثقف العربي يحتاج إلى الحرية من أجل تفعيل دوره وتوسيع دائرة تأثيره، فإنه يحتاج أيضا إلى ذلك القدر من التمرد الذي يتيح له الانفلات من محاولات ترويضه وتدجينه. فإذا كانت الحرية تتيح له قول ما يريد فإن التمرد يوفر له القدرة على مواجهة السلطة القامعة بكافة أشكالها وتجلياتها المختلفة.

واللافت للنظر هنا أنه لا توجد حرية بدون تمرد؛ فالحريات توصل مباشرة إلى التمرد والانفلات من ربقة المقبول اجتماعيا وسياسيا وأيديولوجيا. وهذا لا يعني أن التمرد صنو الفوضى وملازم لها؛ فهناك فرق كبير بين الاثنين، وإن كان التمرد قد ينطوي على قدر من الفوضى بالمعنى الإيجابي من ناحية مفارقته للمواصفات المختلفة المتفق عليها.

يواجه المثقف في العالم العربي مشكلات خطيرة فيما يتعلق بمسألة الحريات وعلاقة ذلك بالتمرد والاتهامات التي توجهها له السلطات السياسية والاجتماعية المختلفة.

فلا توجد حريات في عالمنا العربي بالمعنى الحقيقي للكلمة، فمازالت الحريات تمثل هبة من السلطة وتفضلا منها، وليس حقا مكتسبا من حقوق المواطنين عامة والمثقفين خاصة. فالحريات في عالمنا العربي ذات طابع احتفالي وقتي غير متجذر في واقع الحياة اليومية وممارسات السلطات السياسية والاجتماعية المختلفة.

وفي هذا الإطار تأتي المنطقة العربية في الخلف تماما من كافة دول العالم، فيما عدا دول أفريقيا جنوب الصحراء، في مجال الحريات الفردية والمدنية. واللافت للنظر هنا أن السلطات في عالمنا العربي ما زالت تتعامل مع المثقفين كمعادين لها وليس شركاء في الوطن والتنمية والتطور والحقوق الاجتماعية والسياسية المختلفة.

فمنذ دولة ما بعد الاستقلال والمعارك لا تنفك تظهر في عالمنا العربي بين السلطات السياسية والاجتماعية وبين المثقفين. وهي حالة لن تزول إلا بضرورة الاعتراف من جانب هذه السلطات بأهمية المثقفين وجدواهم وأهمية طروحاتهم المختلفة.

ومن أسف أن الواقع العربي لا يكشف عن تحول حقيقي في نظرة السلطات السياسية والاجتماعية للمثقف. فما زال المثقف يواجه العديد من الاتهامات التي توصمه بالخيانة وبالعمالة وتهديد الأمن القومي إلى آخره من سلسلة الاتهامات الجاهزة التي تطلقها الآلة الإعلامية للنظم السياسية العربية في وجه المثقف.

وفي الغالب الأعم تكون هذه الاتهامات ملفقة وغير صحيحة. فالهدف الرئيس منها هو النيل من شخص المثقف وتلويث سمعته، والأهم من كل ذلك ترويع المثقفين الآخرين ولفت أنظارهم إلى أهمية عدم مواجهة السلطات الحاكمة وعدم التعرض لها.

وبسبب من تلك الاتهامات المستمرة من قبل السلطة للمثقفين، وبسبب من طبيعة التركيبة النفسية للمثقفين الحقيقيين، فإن الواقع الاجتماعي والسياسي لا يلبث أن ينتج مثقفين جدد يتمردون على كافة السلطات وعلى أحكامها واتهاماتها. فلا يوجد واقع اجتماعي وسياسي بدون تمرد، وبدون وجود بذور جنينية للانقلاب عليه وتغييره، مهما استمر وطالت مدة وجوده وحدة طغيانه.

صحيح أن المثقفين المتمردين يبدون هنا، ووفقا لوصف بعض السلطات الحاكمة لهم، (قلة مندسة) في سياق خانع ومستمتع بهبات هذه السلطات، لكنه ذلك الاندساس المتمرد الراغب في التغيير وفرض أجندات جديدة للتقدم والتحديث.

ولا يعلم المرء ماهية هذا الاندساس خصوصا أن عمل المثقفين هو دائما وأبدا عمل يتم في النور والعلن. فالمثقف هدفه في النهاية التغيير الذي لن يتم إلا من خلال إيصال كلماته وأفكاره للقراء والمتلقين.

ورغم الجوانب السلبية المتعلقة بتعبير القلة المندسة إلا أن إيجابياته تكمن في طابعه المتمرد. فالقلة المندسة من حيث لا تدري السلطات في العالم العربي تعبير يتسق مع واقع الأمور في عالمنا العربي من حيث كون المثقفين بفكرهم وبتمردهم وبرغبتهم في التغيير مندسين وسط هذا الكم الهائل من الركود والخمول المجتمعيين. فالمثقف هو في النهاية طليعة التغيير والتمرد في أية أمة، من هنا فهو مندس وسط القطيع الخامل المتعايش مع الواقع الاجتماعي والمتصالح معه.

المثقف لا يتصالح مع أحد إلا مع رغبته في التغيير والتمرد على كل ما يكبله ويقيد أفكاره ويقوده لأن يكون مجرد وسيلة في أيدي السلطات بأشكالها وتجلياتها المختلفة. من هنا فإنه مندس من أجل الحرية والتمرد والتغيير.

لا يبدو أن طريق الحريات مفروشا بالورود في عالمنا العربي، فمازال البون شاسع بين التصريحات والممارسات الفعلية، وهو ما يجعل واقع المثقف في عالمنا العربي ملبد بالغيوم وممتلئ بالاتهامات التي تكيلها له السلطات السياسية والاجتماعية على السواء. ورغم كل هذه الأوضاع المزرية فإن هذا الواقع لا يعدم ظهور العديد من المثقفين المتمردين الذين يجدون في تمردهم تفانيا من أجل أوطانهم، حتى لو كلفهم ذلك كل غال ونفيس.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com