«التغيير» هو الشعار الرئيسي الذي دخل به باراك أوباما حلبة المنافسة الانتخابية.جون ماكين تبنى أيضاً شعاراً مماثلاً خلال المرحلة الأخيرة من المعركة الانتخابية حين شن انتقاداً هجومياً على سياسة جورج بوش وكأنه يتحلل من ولائه «الجمهوري».
في كل الأحوال سيحدث تغيير.. ولكن هناك سؤال كبير: هل سيكون تغييراً بإرادة أميركية طوعية من الداخل أم تغييراً بإرادة عالمية يفرض على الولايات المتحدة من الخارج؟
ما لم يعد مثار جدل هو أن أميركا دخلت مرحلة ضعف بنيوي سوف يلازمها لأجل غير مسمى بسبب تدهور صحتها الاقتصادية مما سيؤدي إلى انكماش جبروتها الدولي، وفي هذا الوقت المبكر ربما لا تكون المؤشرات الأولية لحالة الوهن الأميركي واضحة تماماً.
لكن الحكومات والمنظمات التي تصنفها الإدارات الأميركية المتعاقبة بما في ذلك الإدارة الجديدة كأعداء ستدرك الحقيقة: حقيقة أن العملاق لم يعد قادراً تماماً على السير على قدميه وأن واشنطن لم تعد القوة العظمى التي تستأثر وحدها بوضع جدول أعمال العالم وفقاً لمصالحها وهواها، من ثم سوف تنتقل المبادرة في صراعات الساحة الدولية من واشنطن إلى تلك الدول والمنظمات الأعداء، وفي مقدمة هذه الدول الصين وروسيا. وأولى الحقائق التي ينبغي استحضارها في هذا السياق تتمثل في نتائج الأزمة المالية العالمية العظمى.
بينما أفلست خزائن دول غربية في مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا في أرصدة النقد الأجنبي حتى أصبحت مضطرة إلى الاستنجاد بدول غير غربية، فإن الصين وروسيا هما القوتان الدوليتان الوحيدتان اللتان لم يذهب الإعصار المالي بما يملكان من أرصدة: 3 تريليونات دولار للأولى و2 تريليون دولار للثانية.
لقد بددت الولايات المتحدة عائدات ثرواتها في حروب مسلسلة ومطولة بينما نأت كل من الصين وروسيا بنفسها عن شن مثل هذه الحروب مفضلة استثمار ثرواتها في مواصلة البناء الاقتصادي.. وبالتالي المحافظة على ترساناتها الحربية كاملة العافية والقوة، ومن ثم أصبحت الولايات المتحدة اليوم دولة مدينة بما يناهز 11 تريليون دولار معظمها لصالح الصين.
وهكذا سيكون الهاجس الأعظم للإدارة الأميركية الجديدة ليس شن المزيد من الحروب أو إعادة بناء الاقتصاد الوطني وإنما سداد ديون على مدى طويل.. وبالتالي انكفاء أميركا على نفسها.
التاريخ يعيد نفسه. فقد انكفأت أميركا على نفسها طوال النصف الثاني من عقد السبعينات تحت إدارة جيمي كارتر بعد أن خرجت قواتها من الحرب الفيتنامية وهي منهكة عسكرياً ومالياً.
ويبقى السؤال: ما هي ملامح صورة الغد في ساحة الصراع الدولي؟