تمثل المسألة الثقافية مركز السجال الفكري في أبعاده السياسية والدينية والاجتماعية في المنطقة العربية. ويدفع نحو هذا السجال متغيرات سياسية ؟ اقتصادية وأخرى سياسية- دينية ولربما بعضها الأخر سياسية ؟ دينية.
كما أن أحد مصادر هذا السجال الواقع العربي المعاش وتلكؤات النهوض الاقتصادي العربي وعجز عمليات الإصلاح السياسي من الوصول إلى قدر أكبر من تحديث الدولة وآليات عملها وعلاقتها بالمجتمع الذي تقف عليه، والبروز القوي للتضامنيات القبلية والطائفية المعبرة عن هويتنا مقابل الحداثية.
وهو معضل يضعه البعض في درجة أقل من المعضل الخارجي الذي بتنا ننسب إليه كل إخفاقاتنا لسبب أو دون سبب.و المصدر الآخر لهذه الإشكالية الخارج الذي باتت ووتيرة تغيراته كبيرة وعظيمة..
وأصبحت قدراتنا في التعامل معه أو في علاقتنا بها، ينتابها خلل وتتخللها أخفاقات عديدة. فنحن في بعضنا أو جلنا غير قادرين إما على استيعاب هذه التغيرات أو بعضها، أو إعادة إنتاجها بالصورة التي تحقق لنا قدرا من التكيف معها وبالتالي التقليل من حالات افتعال الصدام معها أو سهولة الجر في الصدام معها.
إنه وضع لم يوصل جل مجتمعاتنا العربية لحالة سياسية وثقافية واقتصادية أفضل. فمؤشرات ذلك على الواقع العربي كثيرة ومحبطة والذي قد يكون أبرزها ذلك الانكشاف الاقتصادي والسياسي المخيف على الخارج وذلك العجز الذي بات يمثل سمة لصيقة بمواقف الدولة العربية من الخارج الانكلو سكسوني.و شراسة تكاد أن تكون مفترسة في مواجهة الداخل.بل هناك شراسة أخرى بدت في علاقة المكونات الاثنية العربية بعضها بالبعض الآخر.
وبات «الافتراس» سمة هذه العلاقة ليس في بعدها العمودي فحسب وإنما هي كذلك في بعدها الأفقي، وهو أخفاق لا يقل أهمية وخطورة عن الإخفاق الأول.
وإذا ما أضيف إلى ذلك مؤشرات اخفاقات التعليم وتدهور الخدمات الصحية وتدني مستويات الدخل وانتشار البطالة والفقر وتفشي الفساد والعنف وتأصل فكر الإرهاب والعداء للآخر في خطاب البعض ولو كان صغيرا. الأمر الذي يجعل من العجز سمة بنائية في البنيان العربي بشكله العام والنسبي وفي قطاعيه الرسمي والأهلي.
والحديث عن المسألة الثقافية يدفعنا كذلك للكلام عن التأثير الذي أحدثته الثورة المعلوماتية والتطورات الهائلة في تقنيات الاتصال من تبنى لبعض القيم الجديدة كقيم الديمقراطية ودولة القانون وحقوق الإنسان والتعددية والتسامح والقبول بالآخر والحوار بين الأديان......و غيرها.
وهي قيم بات التبني لها على الجانب الرسمي أقرب إلى الاحتفالية التي لا تقارب الواقع إلا من حيث هي لا تغير منه شيئا. كما أن الدعوة لهذه القيم والقضايا على صعيد القوى السياسية المعارضة والاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني لم يخرجها عن إطار الدعوة المنسلخة من عملية التمثل الحقيقي لهذه القيم في الممارسة على الواقع.
فما تتهم به قوى المعارضة العربية الدولة العربية من استئثار بالسلطة والثروة ولا ديمقراطيتها تعيد إنتاجها في أطرها التنظيمية الداخلية وفي ممارساتها مع الآخر المختلف: السياسي والديني.كما أن استواء بعض قياداتها الكاهلة، وتوريثها لمواقعها السياسية والتنظيمية للأقارب والأنساب لا يختلف في ذلك عن ما يسميه البعض بظاهرة التوريث السياسي في المجتمعات العربية والإسلامية.
الدولة العربية التي توجه النقد لها.مما ينبئ أنها لن تكون مختلفة عن كل ما تنتقده قبل الوصول للسلطة. فكل ما كانت تتهم به المعارضة العراقية النظام العراقي السابق إعادة إنتاجه عندما جاءت أو جيء بها للسلطة. ثم أن كل ما كانت تنتقد به الجماعات الدينية الإيرانية النظام الإيراني السابق باتت تمارسه بشكل لا يقل عنفا وشراسة، فالحقيقة بالنسبة لنا هي مطلقة لا نسبية ومن لا يتفق مع هذه الحقيقة فهو في هذا منفيا بسببها.
وقد تمثل ثنائية موقفنا من مسألة الحوار بين الأديان ولربما الحضارات والتقريب بين المذاهب والطوائف، كإحدى القيم الثقافية الجديدة أو المستجدة على المنطقة العربية معضلا ثقافيا آخرا.
ففي الوقت الذي تنشغل فيه إعلاميا الكثير من الأنظمة السياسية العربية ولربما العديد من القوى السياسية في شقها الديني بمسألة الحوار بين الأديان والتقريب بين المذاهب والطوائف وتعقد لها المؤتمرات والندوات والورش والمحاضرات، تشهد المنطقة العربية حالة مخيفة من الاستقطابات الدينية في بعدها المذهبي والطائفي.
بل أن المنطقة العربية قد شهدت خلال العقد المنصرم صراعات وحروب أهلية سالت فيها دماء وخربت ديار باسم نصرة الجماعة والطائفة في مواجهة الآخر المختلف الذي كانت علاقة العيش المشترك معه شهادة العقود والقرون الماضية. كما ازدادت شكوى بعض هذه الجماعات من الإقصاء والتهميش السياسي ولربما الاقتصادي المبني على المعطى الديني والمذهبي في الكثير من المواقع العربية.
وقد مثل تبني الكثير من قوى الإسلام السياسي لفكرة إعادة أحياء الدولة الدينية كما تراها في بعض التجارب القريبة، مصدرا آخرا لهذه المخاوف التي يرون فيها شرعنه لمسألة الاستئثار بالثروة والإقصاء عن السلطة. وهي في جلها ممارسات تتعارض مع التمثل الحقيقي للقيم الثقافية - الإنسانية الجديدة في التعايش بين الأديان.
وهي تمثل جزء من معضل بنائي وعجز في القدرة على التغير والتكيف أو أحداهما. فالكثير من هذه الأطروحات تبقى قيما فوقية لا تجد طريقها للواقع، أو أنها تبقى أطروحات لا تعد أن تكون جزءا من احتفالياتنا السياسية ودون أن تجد طريقها إلى قاع المجتمع وشبكة علاقاته المعقدة، بل دون أن تجد لها موقعا في الممارسة العملية للدولة والمجتمع. وهي في هذا تعبر عن ثنياوية(من ثنائي)المأزق الذي نعيشه: بين الذات التقليدية ومواقعها في مركب القوة والذات الحداثية وإعادة ترتيب حصص هذا المركب وفقها.
كاتب بحريني