كشفت الانتخابات الأميركية 2008 عن الدور المهم الذي لعبته التكنولوجيا وهو الدور الذي صار مرشحا للتصاعد في كل انتخابات قادمة. وشأنها شأن كل المتغيرات التي تؤثر في العملية الانتخابية، فقد كان للتكنولوجيا تأثيرات عدة بعضها إيجابي والآخر سلبي.
أما التأثير الإيجابي للتكنولوجيا الجديدة فقد كشف عن نفسه في صورتين الأولى هي الاستخدام الواسع لشبكة المعلومات ليس فقط في الوصول للناخبين وتحفيزهم وحشدهم وتنظيمهم وإنما أيضاً في جمع الأموال لتمويل الحملات الانتخابية. وفي هذا الصدد تفوقت حملة أوباما بشكل واضح على كل من رشحوا أنفسهم للرئاسة هذا العام.
فقد بنت على ما حققته حملة هوارد دين التي كانت رائدة في هذا المضمار في انتخابات 2004 الرئاسية. وقد نجحت حملة أوباما في تلافي الخطأ الرئيسي الذي وقعت فيه حملة هوارد دين.
ففي عام 2004 أغرقت حملة هوارد دين في اعتمادها شبه الكامل على العالم الافتراضي. أما حملة أوباما فقد جمعت بين الأدوات التقليدية المعروفة في حشد الأنصار وجمع الأموال وبين تطوير استخدام أدوات العالم الافتراضي التي كان هوارد دين سباقا في الاستفادة منها. وقد ساعد العالم الافتراضي واستخدام أدواته على تغيير الخريطة الانتخابية تغييرا نوعيا.
فقد تم التواصل عبر شبكة المعلومات ومواقعها المختلفة مع الأجيال الشابة وإثارة خيالهم وحماسهم وتسجيل أعداد مذهلة منهم للتصويت لأول مرة هذا العام.
والصورة الثانية التي لعبت فيها التكنولوجيا دورا إيجابيا هي أنها ولأول مرة رفعت بشكل ملحوظ التكلفة السياسية التي يدفعها أي مرشح يستخدم الدعاية السلبية التي يكيل فيها الاتهامات جزافا لخصمه على نحو يلعب على الأوتار الحساسة ويؤجج الانقسامات المختلفة التي يعانيها المجتمع الأميركي. والدعاية السلبية، إذا لم تكذب كذبا صريحا، فإنها في كثير من الأحيان تستخدم لقطات وصورا وتعبيرات ذات دلالات رمزية تخاطب مشاعر المشاهد، لا عقله من أجل تحقيق هدفها.
وهذا النوع من الدعاية التي يقوم بها المرشح سواء من خلال حملته أو من خلال أنصاره لا يخضع لأية رقابة قانونية ولا يوجد في النظام الأميركي أية آليات للسيطرة عليه.
ولاتوجد أية عقوبة توقع على المرشح إذا ما افترى كذبا على منافسيه. فالرقابة الوحيدة الموجودة هي الرقابة الذاتية. لذلك فإن الدعاية السلبية ظلت قادرة على أن تصيب هدفها، لأنها تفرض على الطرف الآخر أن يخصص جزءا مما يملكه من وقت ثمين ومال شحيح لمواجهة ما يقال عنه وتفنيده.
وهي فضلا عن ذلك تخلق- على أقل تقدير - شكوكا تظل تحيط بالمنافس، الذي يكون عليه الدفاع عن نفسه في حملة مضادة. وهو ما يؤدي بدوره، في أحيان كثيرة، إلى إعطاء المشاهد انطباعا بأن الطرفين يستخدمان التكتيكات نفسها، ومن ثم، فإن كليهما أسوأ من الآخر.
وقد برع الجمهوريون بالفعل في استخدام تلك التكتيكات الانتخابية طوال الأعوام الثمانية الماضية وحققوا من خلالها نجاحات كبرى للأسف. فهم استخدموها بنجاح ضد جون كيرى في 2004 حين نجحوا في تشكيك قطاع مهم من الناخبين زورا في سجل الرجل الحربي حين خدم في فيتنام. بل استخدمت حملة بوش الابن تلك التكتيكات بنجاح ضد جون ماكين نفسه حين نافس بوش على ترشيح الحزب في 2000.
المفارقة هي أن جون ماكين الذي عانى من تلك التكتيكات في 2000 هو نفسه الذي استخدمها ضد أوباما هذا العام ولكن بتكلفة سياسية هذه المرة لم يدفعها بوش في 2000 ولا في 2004.
ففي العام الحالي ظهرت عشرات المواقع على شبكة المعلومات التي أخذت على عاتقها التعامل مع تلك التكتيكات. فهي صارت تقوم بالتقاط كل ما يقال من افتراءات من جانب كل الأطراف والتحقيق فيه وتفنيده ثم فضحه على نطاق بالغ الاتساع على شبكة المعلومات دون تكلفة تذكر.
وقد أدى ذلك إلى رفع التكلفة السياسية التي يدفعها من يلجأ لتلك الأساليب وهو في ظني تحول جوهري سوف يطرح بآثاره المهمة على أية انتخابات مستقبلية.
لكن للتكنولوجيا أيضاً سلبياتها التي كشفت عن نفسها في أكثر من اتجاه لعل أهمها على الإطلاق هو الآلات التي تم استحداثها للاستخدام في عملية الاقتراع. فمن بين تلك الآلات الجديدة نوع يدلي فيه الناخب بصوته عبر لمس الشاشة.
وقد تبين من خلال دراسات أجرتها جامعتا رايس وفرجينيا أنه من الممكن عبر بعض التلاعب من جانب الشركات المصنعة لتلك الآلات أو من جانب من تكون الآلات في عهدتهم أن يتم تزوير النتائج، دون أن يكون هناك دليل واحد على حدوث مثل ذلك التزوير لأنه لا يوجد سجل ورقي يثبت ما قاله الناخب فعلا حين أدلى بصوته. وهو الأمر الذي أدى إلى رفع الأمر للقضاء في أكثر من ولاية لوقف العمل بتلك الآلات باعتبارها تنتهك الحق في التصويت.
وكما هو واضح من الآثار الإيجابية والسلبية للتكنولوجيا، فإنها تتوقف في الحالتين طبعا على العامل البشري. فالعالم الافتراضي كان متاحا ومفتوحا لكل المرشحين ولم يستخدمه ببراعة سوى من أدرك أهميته.
وآلات التصويت السابق ذكرها كان الكونجرس قد تصور حين وافق على العمل بها أنه يحل الأزمة الكبرى التي انفجرت في وجه الجميع في 2000 بسبب الآلات العتيقة التي كانت مستخدمة في بعض مقاطعات ولاية فلوريدا، فكانت المفارقة أن التكنولوجيا الجديدة قدمت آلات اللمس تلك التي تسمح بالتلاعب بالأصوات أكثر من أي وقت مضى!
لكن لعل التأثير الأهم للتكنولوجيا على العملية السياسية الأميركية هو أنها خلقت لدى المواطن العادي شعورا بأنه قادر على الفعل والتأثير أكثر من أي وقت مضى من خلال مجرد الضغط على زر في جهاز الكبميوتر. وهو شعور إيجابي بغض النظر عما إذا كان صحيحا بالفعل.
كاتبة مصرية
