في عام 1987 طلب العقيد القذافي من قادة الاتحاد السوفييتي قبول ليبيا عضواً في حلف وارسو ـ التكتل العسكري لدول المعسكر الشرقي المناظر للحلف الأطلسي الغربي.
لم يكن للزعيم الليبي أن يدرك آنذاك أن الاتحاد السوفييتي كان يكابد إرهاصات انهياره وتفكك المعسكر الشرقي بأكمله. الأمر الذي وقع فعلاً بعد نحو عامين. وبطبيعة الحال اعتذر القادة السوفييت للقذافي عن التجاوب مع الطلب الليبي، والآن وبعد 21 عاماً وعلى خلفية صعود روسيا دولياً لاستعادة المجد السوفييتي في صورة حديثة تتحرك ليبيا القذافي صوب روسيا بوتين لإرساء قواعد شراكة استراتيجية متينة. فهل يختلف الأمر هذه المرة بالمفارقة مع ما جرى في عام 1987؟.
ما دفع العقيد القذافي في ذلك إلى التماس التقارب مع المعسكر الشرقي اشتداد وطأة العداء الأميركي النشط ضد ليبيا. وقد بلغ هذا العداء أعلى ذراه عندما شنت الولايات المتحدة في عام 1986 على عهد الرئيس رونالد ريغان هجمة ضارية بحرية وجوية شاركت فيها 200 طائرة حربية قصفت طرابلس وبنغازي.
وتضمن القصف الجوي إسقاط قنابل مزودة بأشعة الليزر صوب مسكن العقيد لقتله أثناء استغراقه في النوم. فالهجوم وقع حسبما خطط له في الثانية ليلاً بالتوقيت الليبي. ولكن من لطف الله أن الزعيم الليبي كان في مسكن آخر.
سياسة القذافي الخارجية منذ أن تولى السلطة في عام 1969 وحتى ما بعد منتصف عقد الثمانينات بقليل كانت ترتكز أساساً إلى مناهضة النفوذ الأميركي الدولي في إفريقيا والشرق الأوسط بصفة خاصة والعالم بأسره بصفة عامة، ولكن على مدى هذه الفترة الطويلة لم يسع العقيد إلى الاستفادة «التكتيكية» من التناقض الاستراتيجي بين المعسكرين الغربي والشرقي انطلاقا من اعتبارات أمن بلاده على نحو ما كان يفعل جمال عبدالناصر.
فبقدر ما كان مناهضا للتسلط الغربي والفكر الرأسمالي كان معاديا أيضا للمعسكر السوفييتي والفكر الشيوعي، ولذا فإنه عندما صح عزم العقيد عند أواخر الثمانينات على تصحيح هذا الخطأ كان الوقت متأخرا، فالاتحاد السوفييتي كان حينئذ في حالة احتضار. الظرف الدولي الآن مختلف.
فروسيا ـ خليفة الاتحاد السوفييتي ـ تواصل اقتحامها الجسور للساحة الدولية بينما يتراجع النفوذ الدولي للولايات المتحدة، ولا شك أن العقيد القذافي اسستشعر كما استشعر العالم أجمع هبوب رياح التغيير في أحدث حقيقتين: أولا رد الفعل الأميركي الواهن عندما شنت روسيا حربا على جورجيا ـ دولة في شرق أوروبا حليفة للولايات المتحدة.
ثانيا: الكارثة المالية العظمى التي اجتاحت الولايات المتحدة والتي تنبئ تداعياتها المتفاعلة عن كساد اقتصادي شامل ينعكس سلباً على قدرة التحرك الدولي الأميركي.عهد الأحادية القطبية يتلاشى مفسحا المجال لعالم متعدد الأقطاب.