خلال الأسابيع الماضية انشغل العالم بأسوأ كارثة اقتصادية لم يذكر التاريخ مثيلاً لها، خاصة في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا والدول المرتبطة بهما.

فهل هذه الكارثة كانت فعلاً مفاجئة ولم يكن بالإمكان تفاديها؟

وأين كان خبراء وعباقرة الاقتصاد وفلاسفة الرأسمالية! وهل كانت متوقعة أم حدثت بين ليلة وضحاها؟

فمهما كان الجواب نفياً أو إيجاباً، فينطبق عليه قول الشاعر:

فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة

وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم.

لا شك أن التسيب الحاصل في عهد الحكومة الأميركية الحالية هو السبب في هذه الكارثة، فالمسؤولية الأولى تقع على حكومة جورج بوش التي روجت لاستراتيجية اقتصادية تخدم مصلحتها أولاً، دون أن تدرس المخاطر والعواقب المترتبة عنها:

إن كل متابع لما كتب في الغرب عن تصرفات جورج بوش وحكومته خلال الثماني سنوات الماضية، يتأكد من أن بعض العقلاء من سياسيين ومفكرين من أميركا وأوروبا كتبوا وتحدثوا في وسائل الإعلام المختلفة، وحذروا بشكل أو بآخر من حدوث كارثة ما في أميركا، بل البعض منهم توقع ذلك حيث قال أحدهم: إن الدور القادم على الولايات المتحدة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، لكنها لم تعر انتباها لمثل هذه التحذيرات كالعادة، واعتبرت نفسها سيدة العالم الوحيدة،.

وتصرفت دون رقابة أو قيود، وتمادت في نفوذها خاصة في عهد الحكومة الحالية «حكومة جورج بوش» الذي ادعى أنه ملهم من الرب وأنه جاء لإنقاذ العالم من الإرهاب والأشرار. وصنف كل من يخالفه الرأي بالإرهابي ويجب القضاء عليه، مهما كلف ذلك الشعب الأميركي وشعوب العالم.

لكن لم يقدر له أن يفلت بجرائمه قبل انتهاء فترة حكمه بأسابيع، ليعرفه شعبه على حقيقته ويتحول الحلم الأميركي الذي روج له ووعد به شعبه في بداية حكمه، إلى كابوس لن يفيقوا منه قريباً، وقد لا يغفرون له أنه قادهم إلى الهاوية، كما لن تغفر له شعوب أخرى تسبب في دمارها وتشريدها عندما اتخذ مجموعة من القرارات المدمرة، بحجة حماية أميركا والعالم الحر من الإرهاب، فأمر بإرسال شباب في مقتبل العمر من أميركا وحلفائها إلى أفغانستان ليدمر بلداً ويقتل شعباً لم يكن قد لملم جراحه من حرب سابقة.

ولم يتوقف عند هذا الحد، بل اختلقت حكومته ذرائع لشن حرب أخرى على العراق، دون مبالاة بالرأي العام العالمي، فدمر بلداً وقضى على اقتصاده وشرد شعبه وأبقى البقية الباقية في حالة تشتت وفقر، وبعد أن كانوا يعيشون في دولة غنية بثرواتها الطبيعية أصبحوا يصنفون ضمن شعوب العالم الفقيرة. ولن يمحو الزمن مهما طال آثار الدمار على هاتين الدولتين، وآثار تصرفاته على اقتصاد بلاده والعالم.

إن الصحف الأميركية والانجليزية لا يشغلها في الفترة الأخيرة، سوى الأزمة الاقتصادية وآثارها على أميركا وأوروبا، حيث كتبت جريدة «ديلي ميرور» تعليقاً على سقوط بنك إيرلندي أدى إلى خسارة حوالي 300 ألف مستثمر بريطاني، تقول فيه: إن البنوك الانجليزية مازالت أحسن حالاً ما دامت قائمة ولم تسقط بعد، ونشر إلى جانب المقال رسم كاريكاتوري لمواطن يحاول سحب نقود من صندوق السحب، فيفاجأ بضربة من قبضة يد قوية تخرج من الصندوق وتقول له: أما زلت تفكر في السحب النقدي بعد اليوم؟!

أما «فايننشال تايمز» فكتبت عن حكومة ايسلندا، وهي دولة غربية، لكنها طلبت قرضاً بمبلغ أربعة مليارات جنيه من روسيا بعد أن رفضت الحكومات الغربية مساعدتها. وفي موضوع آخر كتبت: جاء الوقت لإنقاذ شامل للنظام المالي العالمي. أما مجلة التايمز الأميركية فعبرت عن الكارثة في صفحتها الأولى بصورة قديمة لمجموعة من الأشخاص البائسين أثناء أزمة (1929)، وعلقت على الصورة بجملة تقول: «الأوقات الصعبة مجدداً»، ودلت عناوين تحليلات كتابها داخل العدد عن حجم الكارثة، حيث كان بعض منها كالتالي:

* نهاية الحقبة الأميركية.

* الأزمة المالية لم تقوض فقط اقتصاد الولايات المتحدة بل سلطتها أيضاً.

* تلك الأيام التي كانت فيها الولايات المتحدة توجه الأمم الأخرى إلى الطريق الصحيح لإدارة شؤونها قد ولت.

أما صحيفة «USA today» فأجرت استطلاعاً للرأي طرحت فيه أسئلة على عدد من المواطنين أهمها:

*هل توافق أو لا توافق على أداء جورج بوش لوظيفته كرئيس لأميركا، فكان الجواب: 71% لا أوافق.

* هل أنت راض أو غير راض عن سير الأمور في أميركا؟ فكان الجواب 91% غير راض.

* هل الحالة الاقتصادية العامة في أميركا تسير إلى الأحسن أم إلى الأسوأ؟ فكان 84% إلى الأسوأ.

هذه بعض الأسئلة التي توضح رأي الشعب الأميركي في الحالة التي وصل إليها بسبب حكومة جورج بوش، ولربما أدرك متأخراً أن هذه الحكومة صرفت مليارات الدولارات في أماكن لا صلة له بها ولا فائدة عليه من ورائها.

يقول أحد الأصدقاء المتابعين للوضع الاقتصادي العالمي: إن الصين قبل فترة أرادت دخول السوق الأميركية وشراء شركة بترول هناك فلم يسمحوا لها بذلك، وفي الفترة الأخيرة ذهب أصحاب شركة أميركية إلى الصين لبيع مصنع مقابل مبلغ لم يوافق عليه الصينيون الذين عرضوا مبلغاً زهيداً ثمناً له، لم يعجب الأميركان، فكان رد الصينيين أن مصنعكم اليوم لا يساوي شيئاً لأننا لسنا بحاجة إليه، أما أنتم فبحاجة إلى نقودنا!!

فهل هذا يعني أن عصراً جديداً قد بدأ، وقد تقود فيه العالم دول مثل الصين والهند من آسيا وروسيا من أوروبا؟ وهل بعد هذه الأزمة سوف يظهر نظام مالي عالمي جديد؟

أغلب الخبراء يطرحون هذه الرؤية ويتوقعون أن تتبرأ الحكومة الأميركية القادمة من نظام جورج بوش وتصرفاته، وتفكر في بدائل جديدة أكثر استقراراً وأماناً لاسترجاع مكانتها الاقتصادية التي قد تسحب منها.

لكن أين العرب المسلمون من كل هذا؟ ولماذا لا يكونون طرفاً في إعداد نظام مالي عالمي جديد؟.. أم قدرهم أن يتحملوا الأزمات وتبعاتها فقط حتى لو لم يكونوا طرفاً فيها؟

لقد حان الوقت لإعادة النظر في أوراقنا بعد أن وضعنا كل أمورنا في سلة أميركا وجورج بوش بصفة خاصة الذي أضرنا وأساء إلينا، وعلينا أن نعيد النظر في سياستنا وعلاقتنا معها والتي يجب أن تتركز على مصالحنا قبل كل شيء. وهذا لن يتحقق إلا بتوحيد الصفوف والتعاون المشترك، ولتبدأ دول مجلس التعاون بالخطوة الأولى لأنها الأغنى والأقوى اقتصادياً.

فهذه فرصة العرب ليحتلوا مكانة بين الدول القوية القادمة.. فهل هذا ممكن؟!

نعم.. ممكن شريطة ترك الخوف يخرج من عقولنا والابتعاد عنه، وبكل تأكيد لو أجرينا استفتاء لمعرفة آراء الشعوب العربية فسوف تكون النتيجة بالإيجاب بنسبة 99% وحقيقية!

sultan654@hotmail.com