بعد أكثر من خمس سنوات ونصف السنة على الاحتلال الأميركي لا تزال الإشارات المتضاربة المثيرة للجدل تتوالى على مسامع ومدارك كافة الأطراف في العراق والمحيط.
القاسم المشترك الأعظم بين تلك الإشارات هو أن الاحتلال الأميركي ليس له صديق أو حليف أو عنده ولاء لأحد. اعتدى الاحتلال الأميركي على الأرض والإنسان والمقدسات والخيرات الطبيعية وذلك ما يشكل صفعة في وجه الصديق والحليف قبل العدو. حتى أن الملاحِظ لسير الأحداث يظل في حيرة من أمره بشأن كيان سياسي دولي كبير يزعم أنه جاء لتحرير العراق وإعادة بنائه ونشر مبادئ الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان فيه. للاحتلال الأميركي أجندة خاصة خليط بين سرية وعلنية يتبعها بخطى قد تتعثر أحياناً وقد تصيب أحياناً أخرى.
سمح الأميركيون لإيران المعادية لأميركا بالدخول بشكل عميق وواسع في العراق، امتداداً للتأثير الديموغرافي الطبيعي بين العراق وإيران. ذلك ما زاد الأمور تشابكاً وتشعباً وتعقيداً وإبهاماً.
عملياً وسياسياً استُدرجت إيران من حيث تدري ولا تدري للدخول في المستنقع العراقي. الهدف هو تقديم أو ابتزاز تنازلات بشأن عدد من المطالب الأميركية والغربية بخصوص الملف النووي العراقي والإصلاحات الديمقراطية المرجوة غربياً في إيران.
بعبارة أخرى أراد الأميركيون من إيران أن تدخل ذراعها عميقاً في العراق ليسهل عليهم «ليّ» ذلك الذراع، بمساعدة حلفائهم في المنطقة، والحصول على تنازلات من الطرف الإيراني في مختلف المجالات. بدورها تلعب إيران على الحبلين، تارةً دوراً مؤيداً للحكومة العراقية «الدمية» من جهة وتارةً للتيارات المقاوِمة للاحتلال وتبعاً لذلك الحكومة الموالية له من جهة أخرى.
لم يزل هنالك أمل في نفوس الذين رحبوا بقدوم الاحتلال الأميركي والديمقراطية الموعودة. الأمل عند هؤلاء بإعطائهم اليد الطولى على خصومهم وبالذات الذين قاوموا الاحتلال الأميركي منذ الدقيقة الأولى لوصوله إلى أرض العراق.
يوماً إثر يوم يخبو ذلك الأمل إلى درجة انتعاش إشاعات تفيد بأن قيادات العملية السياسية يفكرون جدياً في البحث عن ملاذات آمنة بعد أن وفّروا الأموال اللازمة في الخارج لهم ولعائلاتهم. لا غرابة في ذلك فالاحتلال الأميركي يلفظ أنفاسه الأخيرة بسبب الخسائر الجسيمة التي مني بها على أيدي المقاومة العراقية، إضافة إلى الخسائر الناجمة عن سبحة من الأعاصير الطبيعية والمالية المدمِّرة في الولايات المتحدة نفسها.
بعد خمس سنوات ونصف لم يزل العراقيون يراوحون المربع الأول في محاولة تحسين الأوضاع وبدء نشاط إعادة التعمير. لا توجد في الأفق من إشارات تدل على قرب التحسن، إلا من بعض الحركات الشكلية من نوع الرتوش على لوحة فارغة أساساً، كإعادة التمثيل الدبلوماسي بين العراق والعالم العربي.
كما لو كانت السفارات العربية وغير العربية صاحبة شأن في إعادة الحياة إلى طبيعتها لحوالي 30 مليون عراقياً في حالة من الفوضى والبؤس وانعدام الأمن والأمان والثقة. حتى الوضع في شمال العراق «الآمن!» يعتبر من أكثر المناطق قابليةً للتداعي بسبب تشابك مصالح الدول والفئات الإقليمية المتناحرة.
زادت حالة الشمال العراقي بؤساً بعد التعرض للأقلية المسيحية في الموصل على أيدي الأحزاب الكردية ممثلةً بذراعها العسكري، البيشمركة. ما تسمى بالتجربة الديمقراطية الكردية في شمال العراق تواجه وضعاً صعباً بامتياز من عدة اتجاهات، من جانب الحكومة المركزية وحكومات الدول المجاورة.
لن يستطيع الجيش الأميركي الاستمرار إلى الأبد في حفظ حقوق ومصالح المجموعات السياسية الكردية. على القادة الأكراد أن يفطموا أنفسهم عن أميركا «الأم» والحال هذه، حيث للأخيرة مشاكل دولية وفي الداخل عليها أن تقوم بمواجهتها. من المفارقة أن الكيان السياسي الكردي أصبح عبئاً على الدولة العراقية الحديثة بعد الاحتلال، كما كان مع الدولة السابقة قبل الاحتلال.
ليس من مصلحة الأميركي الوقوف مع السني ضد الشيعي والعكس بالعكس، ولا مع العربي ضد الكردي والعكس بالعكس. الأمر ينسحب على الطوائف والأعراق والأقليات الأخرى في مختلف المناطق والأقاليم والمحافظات. أسلوب الفوضى الخلاقة أو البنّاءة لم يجد نفعاً بعد أكثر من 66 شهراً من الاحتلال وأساليبه الدموية الفظة العقيمة في إعادة بناء مجتمع دمرته الحروب والنزاعات العرقية والطائفية.
آخر ضربة! يوجهها الاحتلال الأميركي لوجوده في العراق هي سعيه لعقد اتفاقية أمنية تبدو أحادية الجانب الأميركي. الكل يعرف أن القيادة العراقية بعد الاحتلال يمكن أن تقبل بأية شروط يطلبها الاحتلال. ذلك عكس توجهات وطموحات وأهداف الشعب العراقي بمختلف فئاته الذي لا يقبل بتواجد جندي أميركي أو مدني واحد من بقايا الاحتلال. الضغط على العراقيين باتجاه التوقيع على معاهدة مثيرة للجدل في العراق والمنطقة والعالم يدفع العراقيين المعتدلين إما إلى صفوف المقاومة بأشكالها المختلفة أو البدء بحزم حقائب السفر والمغادرة والهجرة.
إذا ما أراد العراقيون، من زاخو في الشمال إلى الفاو وأم قصر في الجنوب، إعادة تعمير عراق واحد موحد يتطلع بثبات إلى المستقبل عليهم التوحد مع أنفسهم أولاً والطلب من الاحتلال الأميركي أن يرحل. بعد الاستقلال الحقيقي من الاحتلال من الممكن عقد اتفاقيات تشرّف الطرفين بدل زج المنطقة في أتون فوضى وصراعات داخلية وإقليمية ودولية.
لا يمكن عقد اتفاقية بين طرفين غير متكافئين من جهة الاستقلال السياسي والفكري. آن الأوان أكثر من أي وقت مضى، وربما قادم، لاتخاذ قرار حاسم من قبل العراقيين بشأن التبعية المفروضة عليهم والتي تجعل منهم أضحوكة أمام شعبهم والعالم من حولهم. على أركان الحكم العراقي بعد الاحتلال توجيه رسالة إلى الإدارة الأميركية. تفيد الرسالة للأميركيين بأنه إذا ما كنتم جئتم حقيقة لتحريرنا فعليكم بالرحيل مشكورين!، الآن وقبل فوات الأوان.
جامعة الإمارات