من يسدد فواتير «الحرب على الإرهاب» التي يخوضها الجيش الباكستاني على مدار الأيام والشهور والسنين، على الميلشيات في الإقليم القبلي المحاذي للحدود الأفغانية؟
هذه الميلشيات مرتبطة بتحالف مع قوات طالبان الأفغانية، في سياق صد العدوان على أفغانستان الذي تشنه قوات غربية بقيادة الولايات المتحدة.
إذن أميركا هي الطرف المستفيد من التدخل القتالي للجيش الباكستاني.. وإذن فليس من غير المعقول أن نفترض أن النفقات الناشئة عن التدخل العسكري الباكستاني تتولى تحملها الخزينة الأميركية. لكن الواقع غير ذلك. فالحكومة الباكستانية تتحمل خسائر قتالية ميدانية فحسب، بل أيضا تتولى تسديد الفواتير.
ومع الاستنزاف المالي المتصل أصبحت باكستان اليوم على حافة الإفلاس، لدرجة أنها صارت شبه عاجزة عن مقابلة نفقات استيراد مواد ضرورية، من بينها أغذية وأدوية ومدخلات إنتاج.
قد يبدو هذا وصفا شاذا. لكن هناك حالة مماثلة. فالولايات المتحدة لا تدفع ثمن احتلالها وعملياتها في العراق. فالفواتير العسكرية والأمنية الأميركية تسدد من العائدات المالية لصادرات النفط الخام العراقي. لذا لا ينبغي أن يكون مثار دهشة أنه بينما يقارب إنتاج النفط العراقي معدل مليوني برميل يومياً ـ وهو معدل عالٍ حسب تصنيف «أوبك» ـ فإن غالبية الشعب العراقي لا يجدون حتى ماءً نقياً للشرب.
تقول مجلة «الاكونومست» اللندنية إن الاقتصاد الوطني الباكستاني بات حاليا على وشك السقوط إلى هاوية بلا قاع: غلاء الأسعار الاستهلاكية في تصاعد بسبب معدل تضخم يقارب مئة في المئة. وأجور الفئات محدودة الدخل في هبوط حقيقي مع تدهور قيمة العملة الوطنية، وأحدث الأرقام تفيد بأن «الروبية» فقدت 25 في المئة من قيمتها خلال الشهور الثلاثة الأخيرة فقط. ولا تزال تتهاوى. هذا شر ما يمكن أن تمنى به دولة: إنفاق عسكري باهظ لصالح دولة أخرى يفضي إلى إفلاس.
حكومة باكستان تتحرك الآن غرباً وشرقاً، ولكن دون تجاوب حتى من القوة العظمى «الصديقة» ولم يتبق لباكستان من خيار سوى التوجه إلى «صندوق النقد الدولي» ـ المرابي الأعظم في التاريخ الاقتصادي البشري ـ بشروطه القاسية. ففي مقابل قرض تطالب إدارة الصندوق الدولة المقترضة أولا برفع الضرائب المباشرة وغير المباشرة.
وبذلك يضمن الصندوق سداد قرضه، غير مكترث بأن رفع الضرائب يزيد الفئات الشعبية فقراً على فقر. قد يسأل سائل: لماذا تقبل حكومات بمثل هذا الوضع المزري؟ لماذا لا تتمرد القيادات الحاكمة على القوة العظمى؟