قبل أيام، أبت التقاسيم الفريدة للحياة السياسية اللبنانية إلا أن تنعكس بشكل سلبي على طفلين لم يتجاوزا العشرة أيام من العمر، شاء قدرهما السيئ أن يولدا في المهجر وأن تطالهما «رعاية» الدبلوماسيين المنتمين لدوائرهم الطوائفية المغلقة، لا إلى الوطن الواحد الموحد.
مجد ومدى، اسمان لطفلين توأم أجبرتهما الظروف للاعتصام مع عائلتهما في إحدى السفارات اللبنانية لأنه لم يتبق لديهم خيار آخر، حيث أن سعادته المعتكف في عرينه والمحمي من سلبيات التركيبة اللبنانية رفض إتمام معاملاتهم، بالرغم من أن توقيعها لا يستغرق سوى بضع دقائق.
لم يكن راغبا بالذهاب إلى العمل، ولا برؤية «صاحب الرجل المكسورة» كما وصف الطفل الذي كان يئنّ من ألمه بسبب خلل طبيعي، ولم يأبه حتى لأصحاب الشأن الذين تدخلوا في المكان أو من وراء الحدود.
هو وحده الآمر الناهي، لأنه مؤمن في عقيدته المريضة بأنه جزء من فسيفساء التركيبة الطائفية المشوّهة، والتي لا يمكن لأحد أن يتجرأ على المس بها حتى لو أدّت أعماله وتصرفاته لضرر بالغ في سمعة الوطن بأكمله. وانطلاقا من هذه الجرأة المتمادية في صلافتها وتحدّيها، يظن إن كل ما تبقى من كائنات بشرية هي خارجة عن إطار تفكيره ووعيه، ولا وقت للاهتمام بها.
إنه معتكف في منزله لا يبارحه حتى لتناول الطعام، ولا يمارس عمله الدبلوماسي لأنه لم يبق لديه حتما الوقت اللازم لذلك. فهو جالس في أحد أركان منزله يمتع النظر بما توفر لديه من سجاد ولوحات خالية من أية قيمة فنية حقيقية، أو يمارس أعمالا خاصة لا لون لها ولا رائحة، لكنها بالتأكيد غير مرتبطة بالمهمة السامية التي ابتُعث من أجلها.
أما الفريد في كل ما يجري فهو أن سعادته يصرّ دائما، من خلال تصرفاته ومجالسه الخاصة طبعا، على أنه لا يمثل الوطن بل مجموعة المصالح والعلاقات التي تشابكت تحت أسماء مختلفة لكي تفرزه سفيرا هنا أو هناك.
وإذا تجرأ المرء على تحديه وتذكيره بضرورة ممارسة أعماله القنصلية، يُبرز ورقة الطبيب التي تثبت أنه مريض وأن الراحة هي حق طبيعي له، وهي ورقة صفراء نعلم نحن أبناء المهجر أن الحصول عليها سهل جدا، مثل الحصول على أية سلعة من متجر عادي.
هذه الحالة الإنسانية التي تعاطف معها كثيرون، وأنا منهم، أعادت للأذهان قصة أكثر مأساوية يحاول اللبنانيون بشتى تياراتهم الطائفية والمذهبية والسياسية أن يكملوا فصولها، لكن دون أن يتفقوا حتى الآن على ما إذا كانت نهايتها سعيدة أم مأساوية.
فهي تتعلق بكيفية بناء وطن يطمح إليه جميع محبّيه، ليعيشوا فيه برخاء فكري وحضاري على الأقل، طالما أن المسؤولين عن الرعية منشغلون بحصصهم الطوائفية لا الوطنية، وغير قادرين على توفير الرخاء الاقتصادي والمادي المرجو.
وهي تعكس بلا شك واقع الحال المزري القائم في لبنان حاليا، ذلك الواقع الذي يمتد في تشعبات حياته السياسية مرورا بالوظائفية والخدماتية منها، وانتهاء بالزواريب والأحياء الضيّقة التي تكون عادة الضحية الأبرز لكل تلك التجاذبات. ففيها تترجم الصراعات الدموية، لأن أبناءها يتحولون بقدرة انتمائهم الأعمى وقودا للثورة أو الانتفاضة المؤقتة التي يعلنها كل زعيم على مقياس طائفته أو مصالحه الخاصة، وفق المزاج الشخصي أو الإيديولوجي الضيق.
ويبدو من تطورات الأحداث وحركة الفكر الإيديولوجي المتنوع في لبنان، أن لا جدية حقيقية لمعالجة هذه الآفة الخطيرة، لا بل يبدو من خلال التصريحات المختلفة لبعض منظري التيارات السياسية أن ثمة حرصا حقيقيا على التمسك بالتقسيمة الطائفية، لأنها تبقى حسب رأيهم مصدر قوة لبنان وسبب بقائه.
وحسب رأيي، فإن الخطير في ما يطرحه هؤلاء هو إصرارهم على ربط الطائفية السياسية والخدماتية بأحد الأسباب الوجودية للوطن بأكمله. وكأنهم بذلك يريدون أن يقولوا لنا بأن لبنان لن يحيا ويستمر إذا اندثر نظامه الطائفي، بالرغم من أن التجارب التاريخية الطويلة قد أثبتت بشكل دامغ أن هذا النظام هو سبب العلل التي يعاني منها الوطن حتى يومنا هذا.
تصوروا، وطن لا تتعدى مساحته العشرة آلاف وأربعمائة كلم مربع، يهلل أبناؤه فرحا عندما يقوم زعيم سياسي من طائفة معينة بزيارة إلى منطقة تبعد عن مكان إقامته عشرات الكيلومترات. ويهلل آخرون عندما يلتقي زعيمان سياسيان من طائفتين مختلفتين، لأنهما يتصرفان كرئيسي دولتين متباعدتين، لا كأبناء وطن واحد.
وبطبيعة الحال، فإن هذا النوع من التفكير والممارسة «الفريدة» كما يحلو للبنانيين أن يصفوها، يسربان إلى دوائر العمل السياسي والخدماتي بشتى فروعه شخصيات لا تتمتع بأية قدرات مهنية استثنائية، لكنها تكون قادرة على التخفي والاختباء خلف شبكة المصالح والعلاقات التي سبق أن تحدثنا عنها، أو خلف ورقة الطبيب المزيفة.
عندئذ لا يبقى أمام المساكين من أبناء الشعب العادي، مثل مدى ومجد، سوى تقبل الواقع المرير بكل أسى والانتظار ريثما يرضخ سعادته لمشيئة أهوائه ونزواته، لكي يمارس العمل المطلوب منه.
لعل الأهم من تفاصيل هذه الحالة الإنسانية التي تعمّدتُ ربطها بالواقع الطائفي اللبناني، هو الطريقة التي سيعتمدها المسؤولون المعنيون لإيجاد حل جذري لمشكلة الدبلوماسيين المتقاعسين واستبدالهم بآخرين ممن هم قادرون أكثر منهم على تمثيل الوطن. حتى الآن لم يتمكن المسؤولون من فرض آلية صحيحة لاختيار الأكفاء، وهو ما بيّنته قصة مجد ومدى وغيرهما، وهو ما ستبينه التجارب الأخرى الآتية حتما.
مجد ومدى.. لكم الرعاية الإلهية، فهي وحدها ستكون قادرة على حمايتكما من ظلم التقاسيم الطائفية والمذهبية.. وهشاشة الانتماء. أما الوطن، فسيبقى غارقا في غياهب تخلّفه، إلا إذا «جاد» علينا المسؤولون بما هو أحسن لهما ولنا جميعا.
كاتب لبناني
