في خضم جهودها الكبيرة التي تبذلها لتشكيل الحكومة الائتلافية الإسرائيلية الجديدة وفي خطواتها التي ما زالت تراوح مكانها، لم يغب عن بال تسيبي ليفني المسار التفاوضي مع سوريا باعتباره عنواناً حيوياً كان وما زال موضع نقاش مستديم داخل إسرائيل، وذلك في سياق سعيها الحثيث لتثبيت حضورها وموقعها السياسي في الخريطة السياسية الإسرائيلية، وتسجيل اختراق نوعي في مسار شائك بات هو الأكثر تعقيداً في ملفات الصراع العربي الصهيوني.

فتسيبي ليفني التي كانت قد تحفظت من الاتصالات غير المباشرة مع سوريا عبر قناة استانبول التركية قبل مدة من الزمن باتت الآن على ضوء بعض التوصيات والنصائح التي أطلقها مسؤولون كبار في وزارة الخارجية الإسرائيلية وأجهزة الأمن المختلفة، وعلى ضوء التغيير المرتقب في الإدارة في الولايات المتحدة ومع الخط الذي يقوده الرئيس الفرنسي نيقولاي ساركوزي تتبنى التوصيات التي طرحت لحثها من أجل إعادة تنشيط المحادثات مع سوريا.

فهي أي تسيبي ليفني وبعد الانتكاسات التي رافقت عملها في سعيها المتواصل لتشكيل حكومة ائتلافية، تضع نصب عينيها مواجهة الركود العالمي الزاحف والأزمات المالية العاصفة التي هزت أسواق المال، ومواقع الاقتصاد الدولية ومواجهة التحدي الاقتصادي بصورة خلاقة.

إضافة لوضع جدول أعمال لها، وعلى رأسه مهمة السير من جديد في التسوية مع سوريا، والعمل من أجل إعادة إقلاع قاطرتها المتوقفة في أوحال هضبة الجولان السورية المحتلة منذ سنوات طويلة، وتحديداً منذ توقفها إثر مفاوضات شبيزداون التي انتهت أواخر العام 2000 إلى الجدار المسدود.

ففي السعي وراء إنجاز اختراق ولو متواضع في مسار التسوية مع سورية بعد حين، ترى ليفني أن أي تقدم في هذا المسار سيجلب لها بالضرورة حضوراً وألقاً في مجتمع بات منذ فترة طويلة محكوماً بعقدة الفشل السياسي إثر الانتكاسات التي تلاحقت على المسار الفلسطيني الإسرائيلي فضلاً عن الوضع المتوتر الدائم على الحدود الشمالية مع لبنان.

في هذا السياق، وفي بحث استراتيجي قدم مؤخراً إلى المؤتمر المعني بتصميم السياسة الخارجية الإسرائيلية للسنة القريبة القادمة، تحت إشراف وزارة الخارجية الإسرائيلية وسربت أجزاء منه، وبعض مما جرى من نقاشات في مضمونه، أشار مدير مركز البحوث السياسية في وزارة الخارجية الإسرائيلية نمرود بركان، أن الخيار السياسي مع سوريا يجب أن يتمتع بحضوره من بين الاحتمالات الأعلى للمرحلة المقبلة.

وأمام أي حكومة جديدة. حيث يعتقد نمرود بركان ومعه مسؤولون آخرون في وزارة الخارجية الإسرائيلية بأن إسرائيل يمكنها أن تحقق سلاماً مع سوريا مقابل الانسحاب من الجولان، وبمردود عال سينعكس إيجاباً على الداخل الإسرائيلي وعلاقات إسرائيل مع العالم العربي، فضلاً عن انعكاساته الإيجابية على ليفني ذاتها، مما يؤهلها «لتتبوأ مكاناً موازياً لغولدا مائير» وفق ما قاله مدير مركز البحوث في وزارة الخارجية الإسرائيلية.

أما تقديرات مراكز الاستخبارات الإسرائيلية التي تزود تسيبي ليفني وأصحاب القرار في إسرائيل بالتقارير الدائمة، فتصب في المسار نفسه، حين تدعو تسيبي ليفني وشريكها الائتلافي المتوقع أيهود باراك لالتقاط الفرصة وتحقيق حدث إيجابي قد يكون الوحيد الممكن في انعطافة إستراتيجية نحو دمشق. حيث تستند تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية إلى حيثيات معينة فحواها أن السوريين جديون في نواياهم للتوصل إلى سلام في ظل الإدارة الأميركية القادمة.

حيث يعتزم السوريون فتح «صفحة جديدة» مع الإدارة التي ستنشأ في الولايات المتحدة، دون صلة بهوية الفائز هناك وهذه التقديرات حول النوايا السورية من الزاوية الأمنية الإسرائيلية جاءت كجزء من التقدير الاستخباري الإسرائيلي للعام 2009، كما أفادت بعض النشرات الإسرائيلية التي تم توزيعها على نطاق سياسي ودبلوماسي محدود التداول في النصف الثاني من أكتوبر 2008.

والذي سيطرح على الوزارة الجديدة في إسرائيل حال إعلانها بمشاركة وزير الحرب القادم وكل قادة أذرع الأمن الإسرائيلية المعروفة (الأمن الداخلي ـ الشين بيت أو الشاباك، المخابرات الخارجية أو الموساد، الاستخبارات العسكرية أو جهاز آمان). ومع هذا، فإن التقديرات الإسرائيلية إياها، والصادرة عن مراكز الأمن الإسرائيلية، تجد من يعارضها داخل الأجهزة الأمنية ذاتها.

حيث تشير تقديرات البعض إلى أن السوريين ليسوا جديين في تصرفاتهم السلمية، فهم معنيون فقط بالمحادثات نفسها من أجل تحسين مكانتهم الدولية دون أي نية حقيقية للتوصل إلى اتفاق مع إسرائيل، ومستندين للقول بأن السوريين، وفقاً لطريقتهم، قطفوا منذ إعلان بناء وفتح قناة اسطنبول التركية غير المباشرة العديد من الثمار لمجرد جعل المفاوضات مع إسرائيل علنية.

ذلك لأنه «بفضل المفاوضات أزيلت المقاطعة الدولية» عنهم وفق الرأي الإسرائيلي المشار إليه. فرئيس الموساد وهو جهاز المخابرات الخارجية في إسرائيل الجنرال مئير داغان يقول: «ليس للسوريين نية حقيقة للتوصل إلى اتفاق سلام». ولكن رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية المعروفة باسم (آمان) الجنرال عاموس يادين ومعظم أركانه يعتقدون خلال ذلك.

وفي داخل الشعبة نفسها كانت على مدى فترة طويلة خلافات في الرأي بين المحافل المختلفة وعلى رأسها رئيس دائرة البحوث في شعبة الاستخبارات العسكرية ذاتها العميد يوسي بايدتس كما نقلت بعض الصحف الإسرائيلية مؤخراً، ممن يعتقدون بأن السوريين بالتأكيد معنيون بالتوصل إلى سلام مع إسرائيل.

ولكن وبشكل عام، يتبين مع اقتراب أفول العام 2008 واقتراب موعد حلول العام 2009 أن الرأي القائل بضرورة إعادة فتح وتنشيط القناة التفاوضية مع سوريا يتعزز إسرائيلياً انطلاقاً من تقديرات شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية وأجهزة الأمن القائلة بترجيح الرغبة السورية في التوصل إلى تسوية مع إسرائيل.

وحسب أصحاب التقدير فإن السوريين «مستعدون للتوقيع على اتفاق سلام ولكنهم يديرون المفاوضات دون ضغط الزمن»، ولكن نسيت المصادر ذاتها أن تضيف القول إن التسوية مع سوريا تحتاج حتى يكتب لها النجاح يجب أن تتضمن الانسحاب الإسرائيلي التام إلى خطوط الرابع من يونيو 1967 عملاً بقرارات الشرعية الدولية نصاً وروحاً.

فوقائع التجربة الطويلة منذ مؤتمر مدريد عام 1991 إلى الآن تؤكد بأن مسألة الانسحاب الإسرائيلي التام من الجولان قضية وطنية سورية بامتياز لا يستطيع أي نظام أو فرد في سورية التنازل عنها أو الانتقاص منها.

كاتب فلسطيني ـ دمشق: BDWAN60@ALOOLA.SY