ما أن انتهيت من تقديم ورقتي في الملتقى الأول للعمل الأهلي الذي نظمته وزارة الشؤون الاجتماعية بدبي الأسبوع الماضي حتى تقدم نحوي ثلاثة أطفال مواطنين واضح من ملامحهم أنهم في نهاية المرحلة الابتدائية أو بداية المرحلة الإعدادية، طالبين مني الموافقة على إلقاء محاضرة بمدرستهم التي جاؤوا منها لحضور جلسات الملتقى.
كانت المفاجأة الأولى لي هي حضور طلبة في هذه المرحلة السنية ملتقى متخصصا من هذا النوع، فقد عودتنا مدارسنا على تنظيم رحلات إلى المراكز التجارية وصالات الألعاب والحدائق العامة والمتنزهات، خاصة لمن هم في مثل سن الطلبة الذين رأيتهم يكادون يغطون ثلث القاعة التي كان ينظم فيها الملتقى.
أما المفاجأة الثانية فتمثلت في موضوع المحاضرة التي طلب مني الأطفال إلقاءها في مدرستهم، وهو موضوع «الهوية الوطنية» الذي كنت أعتقد أنه أكبر من فهم هؤلاء الأبناء الصغار، وأبعد عن اهتمام من هم في مثل سنهم ممن ينشغلون عادة بمتابعة آخر نسخ الألعاب الإلكترونية التي لا يكف صانعوها ومروجوها عن ملاحقتهم بها.
فقد كان آخر ما يمكن أن يخطر على بالي هو أن ينشغل هؤلاء الصغار بقضية كبيرة كهذه ويجهدون أنفسهم بالتفكير فيها والبحث عمن يحدثهم عنها أو يبثونه شجونهم تجاهها. (تملك حر 100% مع توفير الإقامة) كان هذا هو عنوان الإعلان المنشور في الأسبوع نفسه بأحد الملاحق الإعلانية المتخصصة في العقارات، ولا أعرف لماذا وجدت نفسي أربط بين هذا الإعلان واهتمام الصغار بقضية الهوية الوطنية.
ولماذا اعتبرت التوقيت غريبا لرؤية إعلان من هذا النوع، أو لوقوع هذا الإعلان في يدي في هذا التوقيت، كأني به يقول إنه بينما ينشغل الصغار بالحفاظ على هويتهم ويجتهدون في البحث عمن يحدثهم عنها، يمعن الكبار في تدمير هذه الهوية والقضاء عليها بدعوى الاستثمار العقاري.
غير آبهين بما قد يجره عملهم هذا على الوطن من ويلات؛ أقلها انشغال عقول أبنائه الصغار بموضوع هويتهم وخوفهم من ضياعها، وأكبرها تدني نسبة المواطنين في الدولة ووصولها مستويات قياسية، آخرها الرقم الذي أفصحت عنه آخر إحصائية لعدد سكان الإمارات لعام 2007م نُشِرت في البيان مؤخرا، حيث بلغت نسبة المواطنين 48. 13% من إجمالي عدد السكان الذي بلغ 6 ملايين و493 ألفا و929 نسمة.
في حين بلغت نسبة الهنود وحدهم 46. 36% وكل الجنسيات العربية مجتمعة 68. 12% وتوزع الباقي على الجنسيات الأخرى من بقية الدول الآسيوية والإفريقية والأوروبية وأميركا الشمالية والجنوبية واستراليا بنسب متفاوتة، بلغ أعلاها الباكستانيون الذين وصلت نسبتهم 67. 12% متساوين تقريبا مع مجموع العرب المقيمين في الدولة، بينما احتل مواطنو أميركا الجنوبية ذيل القائمة بنسبة بلغت 06. 0%.
أرقام ونسب لا نعرف بالضبط إلى أي مدى يمكن أن يصل تأثيرها على البعض منا، لكن الذي نعرفه جيدا والذي يقتضيه العقل والمنطق هو أن هذه الأرقام صادمة وبدرجة مخيفة، فبعد أن كان مواطنو الإمارات يشكلون 21% من عدد السكان عام 2005م تراجعوا إلى 4. 15% عام 2006م.
وهاهي نسبتهم تتدنى عام 2007م لتصل إلى 48. 13% من إجمالي السكان، أي أن عددهم قد تراجع بنسبة 52. 7% خلال عامين فقط، وهو نقص لا يرجع إلى ارتفاع نسبة الوفيات وانخفاض نسبة المواليد بينهم كما يحدث لدى كل الشعوب، وإنما إلى زيادة عدد الوافدين إلى الدولة، بدليل أن عدد المواطنين عام 2005م كان 824921 نسمة، زاد عام 2006م ليصبح 866779 نسمة، وبلغ 875617 نسمة عام 2007م.
أي أن عددهم قد زاد 50696 نسمة بين عامي 2005 و2007م، وهو رقم لا يبعث على الفرح والتفاؤل إذا ما قارناه بالزيادة التي حدثت في عدد الوافدين خلال الفترة نفسها والتي بلغت مليونين و338 ألفا و538 نسمة، مما يعني بعبارة أخرى أن الزيادة التي حدثت في عدد الوافدين ما بين عامي 2005 و2007 بلغت أكثر من 46 ضعف الزيادة التي حدثت في عدد المواطنين خلال الفترة نفسها.
فكيف نطلب بعد هذا من أطفالنا أن لا يقلقوا على هوية وطنهم، وأن لا يبحثوا عمن يحدثهم عنها، وأن لا ينظموا المحاضرات والندوات من أجلها؟! أليس هذا أقل ما يمكن أن يفعلوه إذا ضاقت بهم السبل؟
إن نسبةً تتراجع بهذا المعدل المخيف لهي مدعاةٌ للقلق دون شك، وهي مؤشر على أن كل ما نقوله ونفعله للحد من اندفاع العربة إلى ما هو أسوأ ليس له أي أثر ملموس على أرض الواقع، وأن كل الصرخات والنداءات التي نطلقها تذهب أدراج الرياح ولا يعود إلينا منها حتى رجع الصدى، فإلى أين تقودنا هذه القاطرة المجنونة، وأين سنجد أنفسنا، وعلى أي أرض سنضع أقدامنا؟
(تملك حر 100% مع توفير الإقامة) في بعض إمارات الدولة! رغم تأكيد إدارة الجنسية والإقامة بدبي أنه لا يوجد بند صريح في القانون ينص على أن تملك العقارات يرتب للمشتري الحق في الحصول على تأشيرة إقامة، حيث لا ربط بين الإقامة وتملك العقارات، ورغم تحذير مؤسسة التنظيم العقاري بدبي لمطوري العقارات بعدم الترويج للعقارات عبر تلك الطريقة.
ورغم نصيحة المؤسسة للمشترين بعدم الانسياق خلف الإعلانات التي تروج لبيع العقارات مقابل الحصول على إقامة لأنها مخالفة للقانون، ومع ذلك فما زالت هناك بعض شركات التطوير العقاري في بعض إمارات الدولة حتى يومنا هذا تروج لبضاعتها بهذه الطريقة.
وتعد بمنح تأشيرات إقامة لمشتري العقارات، غير آبهة بكل التحذيرات والتصريحات التي تحمِّلها وحدها مسؤولية حل المشاكل التي تترتب على تلك الوعود، والتي لا تملك بالأساس الحق في قطعها لمصلحة عملائها المشترين من أجل تأمين الإقامة قبل أي شيء آخر.
إن أي حديث عن الهوية والمحافظة عليها في ظل هذا الوضع يبقى حديثا على الورق لا يبرح البقعة البيضاء التي يسال عليها الحبر، ويبقى قلق الصغار وخوفهم على هوية وطنهم مشروعا، فلعله يكون صمام الأمان الذي نجد فيه تعويضا عن تفريط بعض الكبار في هذه الهوية، وعدم إدراكهم لما يرتكبونه في حق الوطن ومستقبل الأجيال القادمة التي تبعث فينا الأمل، لأنها تتشبث بهويتها وترفض التنازل عنها مهما كان الثمن والإغراءات والتحديات.
كاتب إماراتي :