في العاصمة الإيطالية روما خرجت في الأسبوع الماضي مظاهرة عارمة قوامها مئات الألوف، المظاهرة كانت من ترتيب المنظمات اليسارية، وكان الشعار الاحتجاجي الرئيسي هو التنديد بمشروع حكومي يهدف إلى خصخصة التعليم بالتدريج في جميع مراحله المدرسية والجامعية.

هكذا ستكون معاداة الخصخصة في المرافق العامة كالتعليم والعلاج والمواصلات إلخ ظاهرة متنامية في بلدان أوروبا الغربية كأحد إفرازات السقوط الأخلاقي لنظام اقتصاد السوق الذي كشفت عنه الأزمة المالية العالمية وتداعياتها.

بصورة عملية أثبتت الأزمة أن دور «الدولة» لا غنى عنه ليس فقط في ضبط انفلات رأس المال الخاص وراء الربح المادي الصرف دون اعتبار لقيم أخلاقية وإنما أيضاً من حيث ضرورة انفراد الدولة بتملك مؤسسات الخدمات الاجتماعية الأساسية كالمعاهد التعليمية والمستشفيات وإمدادات الماء والكهرباء وتزويد الفئات محدودة الدخل بهذه الخدمات الضرورية بالمجان أو بأسعار مدعومة، لذا فإن أغلب الظن أن بلدان أوروبا الغربية سوف تشهد انتعاشاً للأحزاب والمنظمات اليسارية وتنامياً متسارعاً لشعبية هذه الأحزاب والمنظمات.

وبنفس القدر سوف تتقلص شعبية الأحزاب التقليدية التي تتبادل آلة الحكم على نمط احتكاري للسلطة مع انحسار الخصخصة لصالح شعار التأميم. وبمرور الزمن سوف ينتقل هذا التحول إلى بلدان الكتلة الاشتراكية السوفييتية سابقاً في شرق أوروبا على أن شعوب هذه البلدان لم تكن أصلاً بحاجة إلى وقوع أزمة مالية عالمية لتكتشف أن الأمس كان أفضل من اليوم.

لقد انهار المعسكر السوفييتي كما هو معلوم في مطلع التسعينات. وما هي سوى سنوات قلائل حتى أدركت شعوب شرق أوروبا أنها لم تجن من التحول إلى نظام اقتصاد السوق الحر سوى البؤس والشظف المعيشي الذي أفرز انتشار التسول والدعارة والمرض، لذا فإنه عندما ينتقل التذمر الشعبي من بلدان أوروبا الغربية إلى بلدان أوروبا الشرقية فإنه غالباً ما سيكون أشد قوة وانتشاراً.

لقد رأت شعوب أوروبا الشرقية والعالم بأسره كيف انتشلت روسيا نفسها في عهد فلاديمير بوتين من وهدة الانحطاط الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بعد أن نبذت نظام اقتصاد السوق وأعادت الاعتبار لدور الدولة الرئيسي في التخطيط المركزي للاقتصاد الوطني وضبط حركته وإعادة السيطرة على مواقعه الاستراتيجية العليا.

opinion@albayan.ae