هل وصلت الوقاحة بالإدارة الأميركية إلى الحد الذي تتجرأ فيه فتتحدث عن السلام في منطقتنا العربية في وقت تمارس فيه كل صنوف العدوان والحروب؟
وهل بلغت هذه الوقاحة حد إيفاد وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس هذا الأسبوع إلى المنطقة «لمواصلة مساعي السلام» حسب ما قال الناطق بلسان الخارجية الأميركية، في وقت برهنت فيه مجدداً من خلال عدوانها الأخير على سورية أنها والسلام نقيضان لا يجتمعان أبداً، وأنها لا تتقن إلاّ لغة الحرب والعدوان والارهاب ضد الشعوب والدول؟
فالإدارة الأميركية التي توّجت حقدها وعداءها لسورية بانتهاك السيادة السورية، وارتكاب جريمة راح ضحيتها ثمانية مواطنين أبرياء عزل، لم تجد حتى اللحظة مبرراً، مهما كان واهياً، تسّوقه للعالم لتفسير هذا العمل العدائي السافر الذي لا يختلف في شيء عن العمليات الارهابية التي تقوم بها جماعات وتنظيمات إرهابية تدعي هذه الإدارة أنها تكافحها من أفغانستان إلى العراق.
هذه الإدارة المارقة المعادية للشعوب وحقوقها من أجل حريتها واستقلالها، تتحدث اليوم عن السلام في الوقت الذي تنتشر فيه جيوشها في أربع جهات الأرض، وتمخر أساطيلها عباب المحيطات والبحار، فتصنع الحروب وتعتدي على الدول، فتدمِّر وتحتل، وتقتل المدنيين، وتنهب الثروات الوطنية لهذه الدول، بل تمنعها حتى الاحتجاج على صكوك الإذعان وتشريع الاحتلال والاستعمار وقوننة عمليات السلب والنهب والقتل.
ماذا تريد الآنسة رايس في جولتها الجديدة التي لا شك ستلقى ترحاباً واستقبالاً حاراً من بعض أهل المنطقة؟! هل تهدف جولتها إلى «بحث الجهود الرامية إلى التوصل إلى سلام دائم وشامل في المنطقة» كما ادعى الناطق بلسان الخارجية الأميركية؟ أم إن لهذه الجولة أهدافاً أخرى هي أبعد ما تكون عن السلام؟
لماذا لا تكون زيارة رايس الوداعية مخصصة للاعتذار من العرب على ما سببته لهم إدارة بوش خلال ثمانية أعوام من دمار وخراب وأزمات وإفقار؟
كنا سنصدّق رايس لو أنها قالت: إن جولتها ترمي إلى «الاطمئنان» على ما زرعته من بذور الفتنة والحروب الأهلية العرقية والطائفية.
بل كنا سنصدقها لو أعلنت أنها جاءت لتؤكد دعمها ودعم الإدارة القادمة لمن يظنون أنهم أصدقاء الولايات المتحدة، وأنها إنما تريد طمأنتهم على كراسيهم وعروشهم ومستقبلهم لقاء ما قدموه لها من خدمات مجانية حيناً، ومدفوعة من المال العربي حيناً آخر!.. لكننا لا نستطيع تصديق رايس عندما تقول إنها آتية لصنع السلام، ولا يمكن لعاقل أن يصدق هذه الأكذوبة التي تدعو إلى السخرية.
فهل باتت رايس اليوم تمتلك عصا سحرية بحيث تصنع السلام في غضون شهرين، في حين أن هذه الإدارة لم تستطع خلال ثمانية أعوام إقناع تل أبيب بتنفيذ ولو بنداً واحداً من بنود اتفاقيات وقعت عليها إسرائيل برعاية أميركية؟.
إدارة بوش هذه لم تستطع حتى جعل اسرائيل تعلق عمليات الاستيطان التي اعترفت بأنها «تعيق عملية السلام»، فهل ستجترح هذه الإدارة، التي صارت البارجة والمدفع والقنبلة لغة تخاطبها الوحيدة مع الشعوب والأمم والدول، هل ستجترح المعجزات وتعمل على إحلال السلام العادل والشامل في شهرين لاغير؟!
هذه المرّة الكذبة أكبر من أن يصدقها عاقل بل حتى السذج والجهلة والمجانين سيعجزون عن تصديق أن المحافظين الجدد، تجار الحروب والدماء والنفط، يريدون إقامة السلام في المنطقة.
تعرف رايس، ويعرف بوش، وتشيني وبقية الفريق الأميركي الحاكم اليوم أن الهدف من جولة رايس أبعد ما يكون عن السلام: ربما هي جولة انتخابية لدعم المرشح الجمهوري، وربما هي أيضاً لإعطاء «التوجيهات» الأخيرة والأوامر الواجب على أهل المنطقة تنفيذها دون تردد أو تذمر!!
لذا ننصح الآنسة رايس بعدم المجيء توفيراً للجهد والوقت والمال في ظل أخطر أزمة مالية عرفها العالم خلال ما يقرب من قرن، فنفقات السفر قد تنفع في سد العجز في ميزانية الخارجية أو الدفاع، أو تصرف على الحملات الإعلامية المعادية للعرب، ولسورية بشكل خاص.
فالبضاعة التي تريد رايس وإدارتها ترويجها في المنطقة فاسدة، وإرادة الشعوب ستنتصر على قوى الشر والعدوان مهما طال الزمن.
