يستعد غوردون براون رئيس وزراء بريطانيا لشد الرحال الى دول الخليج العربية مطلع الاسبوع المقبل، على رأس وفد كبير يضم بيتر ماندلسون وزير الاعمال وايد ملليباند وزير الطاقة، ومجموعة من رجال الاعمال ومدراء الشركات البريطانية العملاقة، بينما يكمل المدراء الكبار في مصرف 'باركليز' الانكليزي العملاق جولة اخرى من اجل الهدف نفسه، اي اقناع حكومات الدول الخليجية بتوظيف ثرواتها المالية الهائلة لاخراج بريطانيا من ازمتها المالية الحالية.

التقديرات شبه الرسمية تقول ان دخل الدول الخليجية السنوي يقترب من تريليون دولار بسبب ارتفاع عوائد النفط والمدخولات الاخرى الناجمة عن السياحة والغاز والصناعات التحويلية والبتروكيماوية وغيرها.

والاهم من ذلك الصناديق السيادية التي تحتوي على فوائض المداخيل النفطية، حيث تبلغ قيمة الودائع في صندوق ابوظبي السيادي حوالي تريليون دولار، والكويتي نصف هذا الرقم تقريبا، وهناك من يقول ان لدى المملكة العربية السعودية ارصدة مالية في حدود 200 مليار دولار لم تستثمر بعد في الخارج.

رئيس الوزراء البريطاني سيحاول اقناع الحكومات الخليجية باستثمار هذه الفوائض المالية الهائلة في الاسواق البريطانية، وشراء اسهم الشركات الكبرى، والمالية على وجه الخصوص، حيث مني القطاع المصرفي بخسائر كبيرة، وانخفضت اسهم بعض البنوك الكبرى التي تعتبر عماد النظام الرأسمالي الى ما يقارب ثلثي قيمتها، مثل رويال بنك اوف سكوتلاند، وباركليز، ولويد العريق.

هناك استثمارات خليجية هائلة في بريطانيا بعضها في قطاعات العقار، واخرى في الشركات الكبرى، وثالثة في القطاع الفندقي، وتحتل دولة الامارات العربية المتحدة نصيب الاسد في هذا الخصوص، تليها كل من الكويت وقطر.

واحتلت امارة ابوظبي عناوين الصحف الرئيسية مؤخرا، عندما اشترى الشيخ منصور بن زايد وزير شؤون الرئاسة نادي مانشستر سيتي الكروي العريق بمبلغ يصل الى 350 مليون جنيه استرليني، اي حوالي 700 مليون دولار.

دول الخليج باتت مرغوبة من قبل الدول الغربية باعتبارها تشكل عجلة انقاذ في ظل الازمة المالية الخانقة، وقد كتب هنري كيسنجر وزير الخارجية الاميركي السابق مقالاً في صحيفة 'نيويورك تايمز' انتقد فيه تكدس الاموال في يد هذه الدول الضعيفة على حد وصفه، وطالب بعدم اطلاق يد منظمة 'اوبك' في مسائل تحديد اسعار النفط من خلال التحكم بالانتاج.

مقالة كيسنجر كانت تنطوي على طابع التهديد والوعيد، وتحريض الدول الكبرى بالتحرك ضد منظمة 'اوبك' والدول الخليجية حيث وصف الطرفين بممارسة عمليات ابتزاز لهذه الدول الكبرى، الأمر الذي يجب ان يتوقف على حد قوله.

لا نعتقد ان غوردون براون المعروف بهدوئه ودماثة خلقه سيستخدم لغة هنري كيسنجر التحريضية هذه، بل سيركز على العلاقات المتميزة بين بريطانيا ودول الخليج، وضرورة استمرار التعاون، بل وتكثيفه في هذه المرحلة، لانقاذ الاقتصاد البريطاني من عثراته، وقد دخل فعلاً مرحلة الكساد.

دول الخليج ستتجاوب حتماً مع رئيس الوزراء البريطاني، الذي حرص على حضور مؤتمر الطاقة الذي انعقد في المملكة العربية السعودية قبل اشهر بدعوة من العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز لبحث كيفية كبح جماح اسعار النفط المتصاعدة في حينه، والتنسيق بين المنتجين والمستهلكين حفاظاً على صحة الاقتصاد العالمي. فالرجل ليس مثل سلفه توني بلير، ويتمتع بسمعة اقتصادية عالمية.

وطالما ان رئيس الوزراء البريطاني هو الذي يطلب مساعدة هذه الدول، فالمتوقع ان لا تأتي هذه المساعدة مجانا، اي ان يطالب الزعماء الخليجيون ضيفهم البريطاني بسياسات اقل انحيازاً لاسرائيل وعدوانها على المقدسات الاسلامية والمسيحية، من خلال سياساتها الاستيطانية المكثفة والحواجز العنصرية التي تقيمها، والحصار التجويعي المفروض على الفلسطينيين.

فسياسة بريطانيا الخارجية من حيث الانحياز الى اسرائيل، والمشاركة بحماس في حروب اميركا الفاشلة في العراق وافغانستان هي الاسوأ بين نظيراتها الاوروبيات.