كل تفاعلات الازمة المالية العالمية منذ نشأتها في داخل الولايات المتحدة الاميركية وحتى انتشار عدواها الى اسواق المال العالمية كلها، تؤكد حقيقة واحدة تثير الأسف العميق، وهي ان العالم لم يبلغ حد النضج الكافي للبحث عن بدائل للاستكانة الى الطروحات الاميركية سابقة التجهيز.

فكل مطالب قادة هذا العالم وفي مقدمتهم القادة الاوروبيون تنحصر في مطالبة واشنطن بحل جذري ، بينما الاميركيون لا يرغبون في استبدال الآليات المالية الاميركية التي رسخت جذورها في كل اسواق العالم الذي صار بدوره مجرد رهينة للدولار الاميركي ومغامرات وسطاء (وول ستريت) في نيويورك.

وحين بدا في مؤتمر بكين ان هناك اصواتا تطالب باعتماد عملات اخرى غير الدولار واليورو مثل الروبل الروسي واليوان الصيني ظهرت معارضة اميركية مستميتة لمثل هذه الطروحات ، واستعاض المفاوضون الاميركيون عنها بطلب صب اموال الصناديق السيادية المملوكة لحكومات العالم في شرايين نفس الاقتصاد الذي تسببت الألاعيب فيه بتخريب حركة اسواق المال العالمية.

ان التعاطي مع الازمة تقتضي ان نلمس كبد الحقيقة، والتي هي عدم نضوج الأوروبيين الى صرفهم حتمية ايجاد سوق مالي عالمي تعددي ينهض على حزمة من العملات وليس فقط عملة واحدة او اثنتين.

نحن نفهم مخاوف العالم من مغبة إغضاب الاميركيين، لكن ثمة مقولة مأثورة مهمة تقول إننا نتناول الدواء كارهين ولكننا في النهاية مدينين لفضله في الشفاء.

والأوروبيون لا يريدون تناول دواء للأزمة المالية لا يحمل العلامة الاميركية ، لكن ما العمل اذا كانت العلامة الاميركية لم تعد علامة الجودة التي يثق فيها المرضى؟ وما العمل اذا كان الدواء الاميركي هو الذي ينقل فيروسات المرض الخبيث الى جميع اعضاء الجسد في المنظومة الاقتصادية الدولية.

لقد تعددت المؤتمرات والنداءات من لندن الى باريس الى برلين الى بكين الى القمة الأيبيرية الاميركية في سان سلفادور التي انعقدت امس الاول، كما تعددت اسماء القوى العالمية القديمة والجديدة من السبع الكبار الى الثماني الصناعية الى مجموعة العشرين الحديثة في مسماها ولكن الكل يتحدث عن (مشاورات) ويكتفي ببث (نداءات) دون ان تواتي احد منهم الشجاعة ليعلن (الفطام) عن الاقتصاد الاميركي حتى لو كان ذلك مكلفا على المدى القصير، الا انه سيتضمن ترياقا شافيا على المدى البعيد.

ومن هنا فإن العمالقة القادمين وبخاصة في تجمع شنغهاي والدول التي شكلت تكتلات حديثة مثل الصين وروسيا والهند والبرازيل مطالبون الإعلان (بشجاعة) عن معالجات حاسمة ووضع نظم محاسبية موحدة وبأسلوب عقلاني فاعل حتى يمكن إرساء اسس راسخة لاستقرار النظام المالي العالمي، بعيدا تماما عن السلبيات الكامنة في النظام المالي الاميركي التي حولت الآليات الاقتصادية كلها الى مجرد (كارثة) تتفاعل كل يوم وتحقق (ترليون) دولار خسائر لأناس لم يصنعوا هذه الازمة ولم يشاركوا في إشعال شرارتها.

فلنكن حذرين من نداءات ومناشدات الاميركيين لدعم اقتصادهم والاستثمار لديهم دون حل للإشكاليات الحالية. خاصة وأننا على ابواب قمة عالمية مرتقبة في مقر الأمم المتحدة ومؤتمر الدوحة المقرر في ديسمبر القادم، وكلنا أمل ان تشهد هذه اللقاءات الحاسمة صيغة خطاب مختلف عن خطاب الاستعطاف والمناشدة التي تنطلق الآن من أفواه السياسيين الذين اعتادوا على استيراد حلولا اميركية لكل مشاكلهم.