رغم الحاجة إلى ضبط الأعصاب لآخر مدى في التعامل مع الإدارة الاميركية في الأوقات العصيبة التي تمر بها، فإن ذلك لا يعني «التهوين» من خطورة الغارة التي شنتها القوات الاميركية المحتلة للعراق على الأراضي السورية في الأسبوع الماضي.
فليس سهلاً أن تقدم القوات الاميركية على هذا العدوان السافر في وقت تدعي فيه أن استراتيجيتها نجحت في العراق وأن الأوضاع أصبحت تحت السيطرة وأن المقاومة ضدها تراجعت فتقدم بنفسها وقبل أسبوع واحد من انتخابات الرئاسة الدليل على هشاشة الوضع الأمني في العراق الذي يهدده بعض المتسللين الأجانب.. على حد الزعم الاميركي !!
وليس منطقيا أن تكون الإدارة الاميركية مشتبكة في معركة صعبة لتمرير الاتفاقية الأمنية التي ترسخ وجودها بالعراق بعد انتهاء تفويض الأمم المتحدة في نهاية العام وسط معارضة واسعة ترفض الاتفاق من حيث المبدأ أو ترفض بعض بنوده التي تمنح الجنود الاميركيين الحصانة.
أو التي تسمح باستخدام الأراضي العراقية للقيام بعمليات عسكرية ضد الدول المجاورة.. فتأتي هذه الغارة لتعطي معارضي الاتفاق ما يساند موقفهم، وتؤكد أن أميركا ستضرب من تريد وقتما تريد بحجة محاربة الإرهاب حتى ولو كان ذلك يعني انتهاك سيادة دول أخرى واستباحة أراضيها!!
وبالطبع فإن المحاولة الاميركية لتصوير الأمر على انه ليس إلا تكراراً لما يحدث مع باكستان هي محاولة تتجاهل الفارق بين الحالتين .. ففي باكستان قواعد لمقاتلي «طالبان» منذ أن خرجت الحركة إلى الوجود برعاية المخابرات الباكستانية والاميركية معاً لتقاتل الاتحاد السوفيتي السابق.
كما أن الغارات الاميركية على باكستان تتم بالتنسيق بين الطرفين الحليفين (أميركيا وباكستان).. و كل هذه العوامل غير متوافرة في الوضع السوري!! في ضوء هذه الاعتبارات، فإن علينا أن نأخذ الحذر و أن ندرك أننا نتعامل مع ثور جريح يدرك انه ينهي ثماني سنوات من الحكم البائس وهو في حالة هزيمة كاملة.. عسكريا وسياسيا واقتصاديا .
ومع ذلك فهو لا يريد أن يدفع تكلفة هذه الهزيمة التي تستلزم ترتيباً جديداً لأوضاع العالم تحقق فيه اميركا موقع الانفراد بالنفوذ والقرار، بل و يطمع في أن يستطيع في آخر لحظة أن يحقق المعجزة و يقلل الخسائر ويحتفظ بمكانته في العالم أو بالجزء الأكبر منها .
ومن هنا.. فربما نكون أمام حالة تقول فيها الإدارة الاميركية: «نحن هنا».. وتوجه الغارة على سوريا عدة رسائل لأطراف عديدة و في اتجاهات مختلفة : فهناك بالطبع رسالة إلى سوريا نفسها بأن عليها أن تضع «كل» ما تملكه من تأثير في خدمة الاستراتيجية الاميركية تجاه العراق.
وان عليها أن تدرك أن ما فعلته في لبنان وغير لبنان من أعمال اعتبرتها واشنطن «ايجابية» لا يكفي، وأن استعادة علاقتها بأوروبا و إنهاء الحصار الذي حاولت اميركا فرضه عليها لا يوفر لها الحماية المطلوبة، والتي لا تستطيع توفيرها إلا واشنطن وبشروطها فقط !!
وهناك رسالة للأطراف العالمية التي قد ترى في الموقف الحالي فرصة لاستعادة نفوذ سابق (مثل روسيا) أو لتثبيت نفوذ جديد (الصين) بأن عليها أن تدرك أن أزمة اميركا لن تحولها إلى «الرجل المريض» وأن قواتها جاءت للمنطقة لتبقي ولتضمن مصالحها خاصة فيما يتعلق بالبترول .
وربما تكون هناك أيضا رسالة للحلفاء الأوربيين (وفرنسا في المقدمة) بان دورهم في المنطقة هو دور مؤقت وتحت الإشراف الاميركي و ليس بديلاً عنه. وأن على الكل أن يفهم أن واشنطن رغم أزمتها ستظل هي اللاعب الأكبر في شؤون المنطقة .
لكن الأهم هو رسالة قد تكون موجهة لأكثر من طرف عربي وأيضا لإيران.. رغم اختلاف المصالح أو حتى تضاربها . والرسالة لا تكتفي بالتأكيد علي أن اميركا جاءت لتبقى ولتدافع عن مصالحها بنفسها رغم الانتكاسات التي تواجهها على كافة الأصعدة، و لكنها تقول أيضا إن على الكل أن يدرك انه مطالب بالتعاون الكامل مع الولايات المتحدة لمواجهة هذه الانتكاسات.
وإلا فإن واشنطن قادرة على قلب الطاولة على الجميع وإشعال المنطقة بالمزيد من الحروب سواء من جانبها أو من جانب الحليفة الأساسية إسرائيل! ولعلها المصادفات و لكنها مصادفات لا تخلو من المعنى، أن يترافق العدوان الاميركي على سوريا بكل ما يحمله من رسائل مع عدة تطورات منها ما يتعلق بالهبوط الحاد في أسعار البترول ثم قرار «الأوبك» بتخفيض الإنتاج واعتراض اميركا على ذلك !!
ثم مع محادثات مهمة بين دول الخليج وإيران بهدف التعاون المشترك وهي محادثات تعرف طهران أن نجاحها مرتبط بالتوصل لحل قضية الجزر الإماراتية . كما يترافق ما حدث على الجبهة السورية بجولة مسؤولين كبار اميركيين في المنطقة بهدف استقطاب أموال الصناديق السيادية لمساعدة اميركا في الخروج من أزمتها المالية الكبيرة التي تنعكس آثارها على العالم!!
قد تكون مصادفات لكنها لا تخلو من معنى، و لا تترك مجالاً للتهاون، ولا لتجاهل أننا نواجه فترة عصيبة أمام إدارة اميركية مهزومة، تاريخها لا يترك لأحد القدرة على أن يتنبأ بما يمكن أن تفعله بنفسها وبأميركا وبالعالم حتى ترحل غير مأسوف عليها.
كاتب صحافي مصري : elsadattt@hotmail.com