مع كل انتخابات رئاسية أميركية، يرتفع منسوب الأمل والتفاؤل العربي ويبلغ أحيانا درجة مفرطة، تجعل وقع صدمة الواقع أشد كارثية بعد أن ينفض مولد الدعاية ويجلس الرئيس المنتخب في المكتب البيضاوي، ويدرك المتفائلون العرب أن السياسة الأميركية الخارجية لا تتغير بشكل جذري مع كل رئيس جديد.
حدث هذا مع كل تحول لدفة الرئاسة الأميركية من يد الجمهوريين إلى الديمقراطيين وبالعكس. حيث تتقلص التغيرات إلى أدنى مستوى، وتقتصر على أساليب العمل والتكتيكات أما الاستراتيجيات، فتبقى راسخة إلى حد بعيد.
وأحدث دليل على رسوخ السياسات الخارجية الأميركية تصريح المرشح الديمقراطي باراك أوباما أمس بأن « قضايا الأمن القومي الأميركي يجب أن تبقى بعيدة عن الحزبية، فهناك اتفاق بين الديمقراطيين والجمهوريين عليها».
والحديث عن التفاؤل العربي بتحولات في اتجاهات الإدارة الأميركية حال فوز أوباما له قدر من المبررات النسبية، لكنه يفتقر لمنطق علمي أو لعمل ممنهج يعززه. ففي الواقع أن العرب غائبون عن ساحة الفعل الانتخابي منذ عقود.
وليس لهم هيكل مؤسسي يشكل حضوراً في المشهد الأميركي، يعادل الوزن الثقيل لجماعات اللوبي اليهودي الأميركي الموالي لإسرائيل والذي يضم نحو 20 ألف منظمة تحت لواء لجنة العلاقات العامة الأميركية الإسرائيلية «إيباك».
والحاصل أن « إيباك« تحصد ولاء معظم أعضاء الكونغرس الأميركي (شيوخاً ونواباً) بسبب أسلوب عملها المدروس والممنهج من حيث التمويل الانتخابي وإقامة علاقات مباشرة معهم وتوزيع حصص التمويل بطريقة تضمن الفوز بتأييد الديمقراطيين والجمهوريين.
على أن سلاح «إيباك» الفتاك يتمثل في الماكينة الإعلامية التي تعيد تشكيل وعي صناع القرار الأميركي، وتفرض أجندة إسرائيلية على الأميركيين، تضمن التأييد المطلق لتل أبيب. في هكذا أوضاع، ينحصر التفاؤل العربي في دائرة التمني الذي لا يشفع له عمل، بل يكشف مكمن الخلل والتناقض بين كوننا نحن العرب الطرف الأكثر دعما لأميركا في الطاقة والاقتصاد، والأكثر عرضة للانحياز الأميركي ضد قضايانا العادلة.
لكن دون التنكر للواقع يحق لنا أن نتوقع الخير حتى لو كان ضئيلا من الرئيس الأميركي المنتخب، خصوصا لو كان أوباما مرشح «التغيير الذي نريد». فلقد وعد بتغيير الاتجاه في العراق وتسريع انسحاب قوات الاحتلال الأميركي، ووقف الحرب في بلد دمره غلاة المحافظين الجدد في ظل الإدارة الحالية.
غير أن التفاؤل بتغيير في الاتجاه على ساحة الصراع العربي الإسرائيلي لا مجال له، في ضوء تصريحات أوباما عن القدس عاصمة لإسرائيل، حتى لو تراجع عنها ذراً للرماد في العيون.
