أيام قليلة تفصلنا عن اليوم الذي ينتظره كثُر.. في أميركا، وربما بنفس الترقّب ـ إذا لم يكن أكثر ـ في العديد من مناطق العالم وفي عدادها منطقتنا العربية. إنه يوم الرابع من نوفمبر ـ تشرين الثاني القادم الذي سوف يختار فيه الناخبون الأميركيون رئيسا لهم بين الديمقراطي باراك اوباما والجمهوري جون ماكين.
وإذا كانت الانتخابات الأميركية هي دائما «حدثا» مهما، فإنها هذه المرّة «الحدث». استطلاعات الرأي كلها تشير إلى فوز اوباما. والفارق «في النقاط» الذي تُظهره هذه الاستطلاعات يسمح بالقول انه من الصعب على جون ماكين، إن لم يكن من المستحيل، اللحاق بمنافسه.
هذا إذا لم تحدث «مفاجأة ـ معجزة» على خلفية موقف «دفين» له علاقة بتاريخ أميركا «الأبيض»؛ أو ربما على خلفية عمل إرهابي ما ـ على غرار سوابق أخرى ـ ينعش الخوف في أعماق الأميركيين ويدفعهم نحو رؤية البعد الأمني فقط فيذهبون أفواجا باتجاه ماكين الذي يعدهم بأميركا ـ القلعة الحصينة.
المعطيات الحالية تشير إذن إلى حظ باراك اوباما في الفوز ـ أغلب الظن بفارق أقل مما تتوقع استطلاعات الرأي ـ بينه وبين منافسه. بكل الحالات كان السواد الأعظم من شعوب العالم وأممه، وعلى رأسهم الأوروبيون، قد «اقترعوا» منذ فترة طويلة لصالح اوباما، إن لم يكن حبّا به فلأنهم لا يريدون أن يروا ماكين في البيت الأبيض.
إنها «جريرة» بوش الذي تمثّل ورقة «الخلاص» من إرثه بعد فترتين رئاسيتين «كالحتين» أهم الأوراق الرابحة بيد اوباما «ذي الخبرة القليلة». وتمثّل «أهم» الأوراق الخاسرة بيد ماكين الذي لم يعرف، أو بالأصح لم يستطع، أن يأخذ المسافة الكافية التي تعفيه من «وزر» الإدارة «الخارجة».
بالطبع يمتلك اوباما أوراقا رابحة أخرى ليس أقلّها شأنا الاعتقاد السائد لدى أغلبية الأميركيين، كما تشير أيضاً استطلاعات للرأي، أنه بـ «شبابه» و«ديناميته» سوف يعطي صورة جيدة لبلادهم غير تلك الصورة المشوشة، إن لم تكن «المنبوذة»، التي أعطاها بوش لها لدى الرأي العام العالمي. ولم يكن اختيار ماكين لسارة بالين «الشابّة هي الأخرى» سوى هبّة ريح مؤاتية وانقضت.
مهما يكن من أمر إنها أيام قليلة ونعرف اسم الرئيس الأميركي المقبل لسنوات أربع تالية يبدأها فعليا في مطلع عام 2009 حسبما يقتضي دستور الولايات المتحدة. والسؤال المهم هو: ماذا بعد؟ ما الذي سوف يتغير،أو لا يتغير، على الصعيدين الداخلي والخارجي خلال الفترة الرئاسية القادمة ؛ غالبا مع اوباما واحتمالا مع ماكين؟.
على الصعيد الداخلي الأميركي هناك برنامج «واضح» لكل من المرشحين حيال السياسات الاقتصادية والضرائبية والاجتماعية. ولعلّ التمّيز الأكبر لبرنامج اوباما هو تركيزه على ضرورة تحقيق توزيع أكثر عدالة للثروة بحيث تعم الفائدة على شرائح أوسع من الأميركيين وخاصة الكثر «تواضعا» بينهم في الهرم الاجتماعي.
للتذكير فقط كان اوباما قد مارس في سنوات شبابه الأولى نشاطات ذات طابع «خيري» ولمصلحة الفقراء لا سيما من السود. هكذا يصنّفه كثُر على أنه يساري. ولكنه يساري «على الطريقة الأميركية» التي لا علاقة لها بالمفهوم التقليدي لليسار «الثوري».
من المهم الإشارة هنا إلى أن اوباما قد قام بحملته الانتخابية كلّها «على خط الوسط» الأكثر فاعلية في أميركا من اجل تحقيق هدف الفوز. والسؤال الأهم هو معرفة ما قد يتغيّر، أو لا يتغيّر، على صعيد السياسة الخارجية الأميركية خلال الفترة الرئاسية القادمة؟.ولنبدأ بما يعنينا مباشرة،أي منطقة الشرق الأوسط.
قد يفيد التذكير بداية أن باراك اوباما كان قد عارض في عام 2002 بوضوح وبشجاعة الحرب التي كانت إدارة بوش بصدد تحضيرها ضد العراق. ذلك في الوقت الذي كانت فيه شخصيات نافذة في الحزب الديمقراطي، حزبه، قد أيّدتها وليس أقلّها شأنا السيدة هيلاري كلنتون وجون كيري،المرشح الديمقراطي السابق للانتخابات الرئاسية الأميركية،اللذين اقترعا في الكونغرس لصالح شنّها.
هذا صحيح وموثّق. لكن ينبغي عدم الاستعجال في استخلاص النتائج حيال الحرب الدائرة في العراق منذ ربيع عام 2003. ذلك أن الفائز في انتخابات 4 نوفمبر المقبل،أكان اوباما المعارض المعلن للحرب قبل نشوبها أو ماكين الذي صرّح أنه مع بقاء الجيش الأميركي في العراق لمدة قرن كامل إذا اقتضى الأمر، لن يلجأ إلى سحب القوات الأميركية والاعتراف بخسارة أميركا للحرب إلاّ في حالة واحدة هي تحقيق درجة «كافية» من الاستقرار في العراق تُبعد النعت ب«الهزيمة».
وفي هذه الحالة لن يتردد الاثنان،اوباما وماكين في سحب جنود بلادهما والتخلّص من ورطة فادحة الثمن على جميع المستويات لا يعرفان، ولا أحد يعرف، كيف ستنتهي... ومتى؟. والموقف نفسه تقريبا حيال الحرب الدائرة في أفغانستان والتي لا تخمد نيرانها، بل على العكس تشتد وتستعر.
الأخبار القادمة من هناك تقول كلها ذلك. ولا أحد يتصوّر أن يطلب رئيس الولايات المتحدة القادم من جنوده «حزم حقائبهم» والعودة تاركين الساحة لطالبان والقاعدة مع كل ما يحمل هذا من تهديد لباكستان المجاورة و«الحليف التاريخي»، لأميركا في هذه المنطقة الحساسة من العالم.
كاتب سوري ـ باريس:ohaklouf@yahoo.fr
