الانهيار الاقتصادي العالمي الذي تتحمّل أمريكا تبعاته ومسؤولياته، يبدو أنه لن يتعافى في مرحلة قريبة، عندما يرى مختلف الاقتصاديين أن توابع الأزمة عميقة الجذور، وأن المعالجات والاستجداءات هي مراحل تنفيس للرئة المعطلة، وطالما تضرر الجميع كلّ بنسب مختلفة، ودول الخليج من بين المتضررين الأقل، حسب شهادة المسؤولين وبيوت المال العالمية، إلا أن الاستثمار في السندات الحكومية الأمريكية يبقى رهناً ربما لا يتم الإفراج عنه في السنوات القليلة القادمة، لكن ما يثير الأمور أن الثقة التي بنتها أمريكا لاقتصادها منذ انحسار الحرب العالمية الثانية وحتى ما بعد الانهيار الأخير، لا يمكن استعادتها بالتطمينات وبعض التشريعات والضمانات التي تعاد اسطوانتها مع كل مسؤول وزائر لدول الخليج، لأن الثقة باتت معدومة بشكل نهائي..
السيد "روبرت كيميت" نائب وزير الخزانة الأمريكي جاء بزيارة حسن النوايا لدول الخليج وتشجيعها على الاستثمار في الاقتصاد الأمريكي، كمساهمة فعالة وضرورية، وربما لم يستعمل لغة الأوامر التي اعتاد عليها كل شريك لأمريكا، لكن مع افتراض، أن هناك واجبات تقيّد المصالح كيف نفسر ما حدث قبل أشهر حين كان موضوع النفط وعوائده عند كيسنجر، وتوماس فريدمان لعنة تاريخية باعتبار فوائضه تذهب للإرهاب، ووصل الأمر لمقاطعة النفط الخليجي أو وضع خطط لإيجاد بديل عنه، ثم جاء الكونغرس بما هو أكثر تطرفاً عندما رفع دعوى احتكار ضد أوبك وضرورة محاكمتها، وكان لنصيب الصناديق السيادية الخليجية ما هو أكثر رجماً عندما قيل إنها ستنزع سيادة أمريكا على اقتصادها عندما تهيمن أموالها على قطاعات كبيرة، ثم يأتي نائب وزير الخزانة ليطلب من أموال هذه الدول إنقاذ الاقتصاد الأمريكي، وهو الذي وضع على لوائح الاتهامات، وصيغت قرارات خاصة تجعل أي استثمار في ميادين استراتيجية مثل ما حدث مع الموانئ الأمريكية عندما حاولت الإمارات شراءها أن خرج المكنون الأمريكي عن طوره، واعتبر هذا السلوك إخلالاً بالأمن القومي، ولو كان المشتري غير دولة عربية نفطية، لربما كان الأمر أسهل وأكثر قبولاً..
لنا مع أمريكا مصالح كبيرة، لكننا لن نكون بيت المال المفتوح لها ونحن نقيس التزاماتنا الداخلية التي تنظر لنزول أسعار النفط ومشتقاته والهزات في الاقتصاد العالمي وضرورة توفير عوائد لمشروعنا الوطني في بناء المدن الاقتصادية والجامعات والبنية التحتية وتوفير السيولة لبنوكنا، وحفظ أموالنا في توفير عائد داخلي أفضل..
لن نقع في خدعة الأساليب الاسترضائية، طالما أقرب الحلفاء الأوروبيين لأمريكا لا يثق بخططها وأساليب خروجها من الأزمة، وبصرف النظر عن المسؤوليات المشتركة، كما تصطلح عليه السياسات العامة، فإن الظروف القادمة سترفع نسبة المخاطر لما هو أكبر، وبالتالي فكل ما يجري الآن يستدعي المراقبة والحذر حتى من أقرب الأصدقاء..
