آفة المثقف هي الحرية. وما من شيء يلاحق المثقف ليل نهار مثل الرغبة في نيل مساحة أكبر من الحرية والتعبير عن الذات وطرح الأفكار والآراء المختلفة. والحرية مطلب حيوي من حيث انها بوابة العبور نحو التغيير.

فما من مجتمع يمكن تغييره بدون مساحة مناسبة وغير مشروطة من الحريات. ولا يوجد سقف للحريات المتاحة، كما لا يوجد تعلية لهذا السقف، إلا إذا تغير الواقع وتغيرت طبيعة العلاقات المرتبطة به. فلا توجد حريات نظرية لكن الحريات محض اكتساب ونيل وصراع بين القوى الاجتماعية المختلفة.

ورغم مسيرة الحريات التي بدأها المثقف العربي منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى الآن فإن واقع الحريات مازال منقوصا إلى حد بعيد، بل يمكن القول بأن واقع الحريات في عالمنا العربي قد ارتد إلى ما وراء عصر الطهطاوي. لماذا انتكست الحريات في عالمنا العربي؟ ولماذا لم يحصل المثقف العربي على حرياته غير المشروطة من قبل السلطات السياسية والاجتماعية المختلفة؟ وهل يتحمل المثقف ذاته جزءا كبيرا عما أصابه من قمع وتقييد لحرياته المختلفة؟

نشأ المثقف العربي في بداياته الأولى ضمن الشرعية التي تتيح له مقاومة الاستعمار والقوى المحلية المتعاونة معه. من هنا فلم تكن هناك حاجة للحديث عن الحريات بمعناها الحالي. فكل الأطر متاحة من أجل مقاومة الاستعمار والقوى المتحالفة معه. كانت الحرية في ذلك الوقت خيارا حتميا يجب اكتسابه أو بكلمة أدق انتزاعه سواء رغب المستعمر أو رفض.

كما أن رفض هذا الحق المرتبط بمقاومة المستعمر كان يعني في النهاية الخيانة لقضايا الوطن والاستقلال والوصم المشين لمن يمنع هذا الحق وينقده. برزت قضية الاستقلال على قائمة القضايا التي يجب العمل على تحقيقها. فلم يفكر الكثيرون في ذلك الوقت في الحرية كقيمة في ذاتها، فقد غلبت حرية الأوطان على كل ما عداها من حريات أخرى.

ورغم ذلك فقد برزت الكثير من القضايا الأخرى المرتبطة بالحريات مثل وضعية المرأة والمواطنة والمساواة والعدل الاجتماعي. فرغم غلبة الحقوق السياسية في فترة الاستعمار إلا أن الكثير من الحقوق الأخرى تم تناولها وإن بنسب متفاوتة. لكن رغم كل ذلك ظل هم التخلص من الاستعمار هو القضية الجاثمة على صدور كافة المثقفين والأحرار في معظم دول العالم العربي.

وللإنصاف فإن الإحساس بقيمة الوطن والمواطنة يختلف من مجتمع لآخر في عالمنا العربي. بل إن مسألة مقاومة الاستعمار ذاتها تختلف من بقعة لأخرى ليس فقط على مستوى القيادات السياسية ولكن أيضا على مستوى إحساس المواطن العادي بعبء هذا الاستعمار وضرورة التخلص منه. فالمستويات الوطنية الرائعة تجاه مقاومة الاستعمار في مصر أو الجزائر أو سوريا أو فلسطين لا يمكن مقارنتها بغيرها من البقع الجغرافية الأخرى التي لم تواجه الاستعمار بالدرجة نفسها، ناهيك عن تواطؤها معه.

وبقدر ارتباط مرحلة ما بعد الاستقلال بالكثير من الانجازات التي قامت بها الدولة بوصفها الراعي الوحيد للمواطن، فقد ارتبطت تلك المرحلة بالكثير من الإخفاقات وعلى رأسها الانتهاكات الواسعة المدى لمسألة الحريات السياسية، وعلى رأسها حرية التعبير والكتابة وتشكيل الأحزاب السياسية. فقد رأت الدولة أنها الفاعل الرئيس في الساحة وأنها تشبع كافة الجوانب الاجتماعية المرتبطة بمواطنيها، من هنا فيجب على الآخرين إما أن يدعموا الدولة أو فليصمتوا. وربما كانت دولة عبد الناصر المثال الواضح لذلك بغض النظر عن نوايا الزعيم ووطنيته، وبغض النظر عما يوغر صدور البعض تجاه شخص الراحل العظيم.

استحلت الدولة الساحة السياسية والاجتماعية والثقافية، وأصبح المثقف مجرد فرد عامل في مؤسساتها، يكسب إذا ما تواطأ معها، ويخسر إذا ما عارضها. كما أن الدولة عبر مؤسساتها المختلفة أصبحت أداة الوصم الجديدة بديلا عن قوى الاستعمار السابقة لكل من تسول له نفسه نقدها أو مواجهتها أو تحديها.

وفي ظل هيمنة الدولة لم تكن هناك قوى حقيقية مؤهلة لمواجهتها والدفاع عن مصالحها. لقد كانت المواجهات أقرب للحالات الفردية أو الجزر الاجتماعية والسياسية المنعزلة والمحدودة النطاق التي أمكن للدولة أن تجهز عليها بسهولة ويسر.

وفي الحالات التي شكلت فيها هذه القوى قدرا كبيرا من التهديد لهيبة الدولة كشرت الأخيرة عن أنيابها، وفتحت أبواب معتقلاتها وأدارت ماكينة القمع والتعذيب. وعبر كل هذه الممارسات استندت الدولة للشرعية التي أوصلتها لسدة الحكم. فقد أصبحت أية ممارسة للحقوق الإنسانية المشروعة من جانب المثقفين أو الجماعات السياسية أو الاجتماعية الأخرى خروجا على شرعية الدولة وتحديا لها.

لا يعني ذلك أن المثقف لا يتحمل جانبا كبيرا مما آلت إليه حالة الحريات في عالمنا العربي. فعبر سنين طويلة من التدجين الذي مارسته الدولة في عالمنا العربي أصبح المثقفون أكثر التصاقا بالدولة وأكثر اعتمادا عليها سواء من خلال التقدير المعنوي أو من خلال التقدير المادي.

فقد ارتمي المثقفون وبقوة في أحضان الدولة وعطاياها المختلفة. صحيح أن الجميع لم يكونوا على تلك الشاكلة أو الهيئة، فقد كان هناك فريق لم يرتض ذلك الارتماء وتلك الهيمنة من جانب الدولة، وهو ما دفع بعضهم ثمنه فيما بعد. لكن تظل إحدى السمات الغالبة للمثقف العربي المعاصر هو اعتماده المادي والمعنوي شبه المطلق على الدولة.

الأمر الثاني الذي يتحمل المثقف تبعاته في ذلك الانتقاص الهائل للحريات الذي يتعرض له الآن أنه لم يكن لديه مشروع واضح وشامل للحريات. فقد اتسمت مشروعات المثقفين بالانتقائية التي تحقق لهم أهدافهم الشخصية أو أهداف جماعاتهم العرقية أو الدينية التي ينتمون لها. فالبعض لا يتحدث ليل نهار سوى عن حقوق المواطنة والمساواة والعدل الاجتماعي وهو يعني في النهاية حقوق جماعته العرقية أو الدينية أو حتى السياسية التي ينتمي لها.

وحينما نجد البعض الآخر ليس له من هم سوى النيل من المنتمين إلى التيار الإسلامي ولا يتحدث من قريب أو بعيد عن حجم الانتهاكات والتعذيب الذي يتعرض له المنتمون لهذا التيار في عالمنا العربي فهو يجامل السلطة في النهاية ولا يمت بصلة من قريب أو بعيد لقضايا حقوق الإنسان وقبلها مسألة الحريات المدنية والدينية المختلفة.

وهو الأمر الذي يجعلنا نرى بعدم وجود مشروع متكامل للحريات في عقلية المثقفين العرب في دولة ما بعد الاستقلال، بقدر ما كانت مشروعات فردية تمثل جزرا منعزلة صوب مصالح خاصة ضيقة في أغلب الأحيان. وإلى أن يمتلك المثقفون العرب مشروعا متكاملا وشاملا من أجل نيل الحريات والتغيير سوف يظل أي حديث عن الحريات حديثا منقوصا ومخادعا في الوقت نفسه.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com