كشفت الحملة الانتخابية للرئاسة الأميركية عن أمور كثيرة بعضها كان معروفا للكثيرين والبعض الآخر كان كامنا في الذاكرة الجماعية للشعب الأميركي. ومن بين الأمور التي كشفت عنها الحملة أن أميركا تخشى العرب وتخاف من المسلمين، وأن ترسبات النظر للآخر بازدراء واحتقار واستخفاف بناء على دينه وعرقه ولون بشرته ما زالت متغلغلة في عقول وقناعات الكثيرين.

حادثة مينابوليس في المهرجان السياسي الذي نظمه الحزب الجمهوري والتي كشفت خلاله مناصرة لجون ماكين، متقدمة في السن، عن حقيقة ما يدور في أذهان الكثير من الأميركيين.

العجوز طلبت المايكروفون وقالتها بكل بساطة وبكل عفوية وبراءة «أنا لا أثق بأوباما..إنه عربي». هذه الجملة تحمل العديد من المعاني والدلالات وتكشف عما استعملته حملة ماكين لأكثر من سنتين من شعارات وكلمات حبلى بالتشويه والتضليل والصور النمطية ضد أوباما. بل كشفت الجملة التي أدلت بها العجوز عما تحمله معظم وسائل الإعلام الأميركية ضد كل ما هو عربي ومسلم، وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.

الحملات الانتخابية التي شهدتها السنتان الماضيتان وصفت أوباما بالمسلم ؟ أي بالمفهوم الأميركي الإرهابي والمجرم وسفاك الدماء-وبأنه جاء لأميركا لتحطيم الديمقراطية الأميركية ومبادئ العدالة والمساواة والحرية التي تنعم بها هذه الدولة العظيمة. كما شكك في أصوله ومعتقداته وأنه غير معروف ويشكل خطرا على البلاد. وحتى الديمقراطيون في الانتخابات التمهيدية استعملوا ورقة تشويه أوباما والتشكيك في نواياه وفي أصوله ودينه.

شعارات مثل «إنه لا يشبهنا» و«أنه لا يؤمن بأميركا التي نؤمن بها» وفيهم من اتهمه بأنه على صلة بالإرهابيين وأنه عربي. هذه الممارسات والشعارات تُستعمل باسم الديمقراطية للوصول إلى البيت الأبيض وهي تنافي أبسط آليات الديمقراطية في حقيقة الأمر.

وسائل تقوم على الحقد الكامن والعنصرية التي تنتشر في أذهان الكثيرين إضافة إلى الجهل والتهميش. وهنا نلاحظ أن السياسيين يستغلون جهل الشارع الأميركي والظروف الاقتصادية والمالية الصعبة التي تمر بها أميركا والعالم للعب بمشاعرهم وأحاسيسهم وتغرس فيهم الأكاذيب المسمومة. فاستعمال الرسائل الإلكترونية المزيفة والكاذبة والمضللة.

والتي تصور أوباما بالمجاهد وبالإرهابي وبالمسلم وكذلك الاتصال بالناس في بيوتهم لتحذيرهم من أوباما والخطر الذي يمثله على حياتهم وعلى الديمقراطية في أميركا كلها طرق تتنافى جملة وتفصيلا مع الديمقراطية ومع احترام الآخر. هذه الطرق والوسائل تنبعث منها رائحة الكراهية والحقد والعنصرية والجهل. ففي بلد ينّعت بـ «القِدر المختلط» حيث تمتزج كل الأجناس والأطياف والأعراق والديانات والشعوب ما أدى إلى نجاح الديمقراطية الأميركية في العالم، نلاحظ هذه التصرفات على مستوى أعلى مؤسسة في البلاد. فأين التسامح وأين احترام ديانة وعرق ولون وخصوصية الآخر.

السباق على كرسي الرئاسة الأميركية خلال السنتين الماضيتين كشف عن المستور من قضايا العنصرية والخوف من العرب والمسلمين وهذا أمر خطير في بلد يدعي الصراحة والشفافية والديمقراطية ومعالجة المشاكل أول بأول. إن الاستمرار على هذا الوضع أي انتشار الدعاية والصور النمطية يعرقل عملية الديمقراطية في بلد يكنى وينعت بالديمقراطية، في بلد يحاول تحسين صورته في العالم وهو يشوّه صورة من يريد أن يحكمه ويعتلي كرسي الرئاسة وكذلك تشويه أبنائه وصورة مئات الملايين من العرب وأكثر من مليار وثلاثمئة مليون من المسلمين في أرجاء المعمورة بما فيهم مسلمو أميركا.

فالملاحظ للإستراتيجيات الانتخابية التي استعملها فريق ماكين في الشهور الأخيرة من حملته يلاحظ استعمال الجمهوريين لعنصر العرق والدين والأصل وهكذا اتسمت الحملة بطابع سلبي حيث أٌتهم أوباما بالتآمر مع الإرهابيين. وأخطر من كل ما تقدم هو عندما تصف سارة بالين، وهي المرشحة من قبل ماكين لتكون نائبته في البيت الأبيض، أوباما بأنه «لا ينظر أوباما إلى أميركا كما نراها أنا وأنت، فهو خطير ومغامر وغير نزيه».

هذه نعوت وصفات أقل ما يقال عنها أنها بعيدة عن الايتيكيت واحترام الآخر وعن الأخلاق والمبادئ والقيم التي تقوم عليها الديمقراطية. فالمرشحة الجمهورية لمنصب نائب الرئيس من خلال هذه الكلمات تعبر بكل بساطة عن الجهل والحقد والكراهية والافتراء والاستخفاف بالخصم وهذه العوامل كلها ترتبط بالطرف الذي يقترب من الخسارة والإفلاس والهزيمة.

والدليل على إفلاس الجمهوريين وحملاتهم الانتخابية التي تعتمد على الاستخفاف والازدراء بالخصم واستعمال التشويه والتضليل والصور النمطية هو انضمام وزير الخارجية السابق الجمهوري كولين باول إلى صفوف أوباما وتأييده ومناصرته للوصول إلى كرسي الرئاسة. باول ورغم أنه زميل حميم لجون ماكين إلا أنه استنكر ونبذ الخطاب السلبي لحملة مرشحه جون ماكين. للتذكير فإن كولين باول استقال من الإدارة الجمهورية عام 2004 بعد اعتراضات على حرب العراق وخلافات مع الخط المتشدد.

باول صرح أنه يصوت لأوباما لأن الولايات المتحدة بحاجة إلى «صورة مغايرة ورئيس يعكس طموحات الجيل الجديد ويعيد البلاد إلى موقعها داخليا وخارجيا». كما أكد باول، الذي تولى منصب وزارة الخارجية في الولاية الأولى لبوش وكذلك منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة خلال حرب الكويت، أن تركه الحزب يأتي بسبب الطرق والوسائل السلبية للحملة الانتخابية لماكين والتي وصفت ونعتت أوباما بأنه «مسلم» وأنه «صديق للإرهابيين». فالخطأ الذي وقع فيه ماكين ومستشاروه هو لماذا الإساءة للمسلمين وأين هو المشكل إذا كان أوباما مسلما أو عربيا.

حملة جون ماكين الانتخابية للوصول إلى كرسي الرئاسة لأكبر وأقوى وأعظم دولة في العالم كشفت عن الوجه الآخر للديمقراطية وهو التلاعب بالعواطف والمشاعر واستعمال مختلف الطرق والسبل لإغراء الآخر والتأثير فيه.

لقد فعلها من قبل الرئيس الحالي لأميركا جورج بوش الابن عندما استعمل الحيل والأكاذيب والافتراء على العراق بأنه بلد يملك أسلحة الدمار الشامل وبلد له علاقات وطيدة مع القاعدة وأسامة بن لادن...الخ. لكن في النهاية اكتشف الشعب الأميركي الأكاذيب والخدع والحيل التي استعملتها إدارة بوش لتبرير الحرب على العراق. والسؤال الذي يطرحه الكثيرون هو: هل المجتمع الأميركي بانتخابه باراك أوباما سيستطيع أن يتخطى الماضي ويضع أسسا لمرحلة جديدة هي مرحلة «مجتمع ما بعد العرق» وأنه بذلك مجتمع ليس عنصريا وأنه يجتاز بذلك ما كان كامنا في المخيال والذاكرة الجماعية الأميركية. وبعبارة أخرى هل الولايات المتحدة الأميركية جاهزة لأن يحكمها رئيس أسود؟

فالعنصرية لها تاريخا كبير في الولايات المتحدة الأميركية. العنصرية ضد السود واستعبادهم واقتياد الرجال والنساء والأطفال في أقفاص وسلاسل من إفريقيا إلى العالم الجديد ما زالت راسخة في أذهان الكثيرين البيض منهم والسود؛ ولماذا هذا الفرق والتباين المبني على لون البشرة. هل سيجسد وصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض انتصار الإنسانية على عنصريتها؟ أم أن الأمر أعقد بكثير وليس بالبساطة التي يتصورها الكثيرون؟

عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة

okirat@sharjah.ac.ae