تجري على ألسنة الناس من موظفين وعاملين في خلواتهم وفي أحاديثهم الخاصة أوصافا ينعتون بها مسؤوليهم المباشرين أو غيرهم. وبعض هذه الأوصاف مادحة للمسؤول وبعضها الآخر قادحا له. كما تجري على ألسنة العامة مقاربات لهذا المسؤول أو ذاك. فكأن يقول البعض عن مسؤوله بأنه هينا سهل الوصول والإقناع مقابل الآخر صعب المزاج،الذي لا يمكن طرق الحديث معه أي «ما يتحاجه» و«مكفهر الوجه» لا تقترب الابتسامة منه ولا يفارق العبوس وجه، فالصرامة تعني بالنسبة له «العَبْسَ» الدائم وفي إعاقة معاملات الآخرين وفي تغلظ الشروط من أجل رفضها.
وتبقى مقاربة البعض من الموظفين لمسؤوليهم بكونهم قراقوشيين هي المقاربة الأكثر شيوعا وتداولا بين الناس.وهو من التعابير الدارجة عند العرب، ويطلقون هذا التعبير،كما تقول إحدى الموسوعات، على «الظالمين وأمثالهم من المقصرين والمتجاوزين في أحكامهم». وقراقوش هو أبو سعيد قراقوش بن عبدالله الأسدي بهاء الدين، كان خادم أسد الدين شيراكوه عم صلاح الدين فأعتقه.
ولما استقل صلاح الدين بالديار المصرية جعل له زمام القصر، ثم ناب عنه مدة بالديار المصرية، وفوّض أمورها إليه، واعتمد عليه في تدبير أحوالها، ويقال أنه قد ولاه على عكا.. ويقترن اسم قراقوش لدى غالبية العامة بالأحكام الغريبة التي تصوره ظالما أحيانا ومختل التوازن العقلي أحيانا كثيرة.
ويتناقل الناس أحكامه وقد يزيدون عليها نوادر وطرائف، وهي من النوادر التي سبق وأن نسبت من قبل إلى الكندي وجحا... وغيرهما، حتى أصبح البعض يرى في أي تصرف غريب أو خارج على المتعارف عليه من الأحكام أو ظالما حكما قراقوشيا، أي خارجا على العرف ولربما في كثير من الأحيان كما يقولون خارجا عن المنطق و«السَنَعْ» وإن كان البعض يرى فيها محاولة للاستئثار بالقوة والمنفعة.
وتمثل بعض هذه المقاربات في بعضها انطباعية القائل وتضخيما لحالة المسؤول ولربما حاملة لقدر من التجني. مقابل الآخر الذي تبقى المقاربة ماثلة في شخصيته وجانبها الممارساتي.
والشخصية القراقوشية هي أقرب إلى المسؤول المزاجي الذي لا يكون حكمه متسقا من الناحية القانونية أو من حيث اتساقها مع النظام والعرف فأحكامه لا تأتي دائما وفق وتيرة واحدة، فهي في هذا لا يحكمها منطقا أو نظاما إلا الحالة المزاجية التي يكون عليها هذا المسؤول وقت إصداره لحكمه. ويصبح مع مرور الوقت حكمه وطريقته في استخلاص الأحكام وإن كانت خاطئة ومنافية للنظام والقانون، عرفا أقوى من قوة القانون.
وتكثر في مجتمعاتنا قصص عن مسؤولين إذا ما أرادوا أن يعطلوا معاملة لشخص لا يُرغبون فيه، أُدخلت معاملته على المسؤول «القراقوشي» في حالته النفسية «الصعبة»، كما وتتناقل الألسن قصصا عن أن الداخل على هذا المسؤول يجب أن يطلب عكس ما يريد حتى يحصل على مبتغاه، وأن لا يبتسم حتى تبدأ ابتسامة المسؤول تتشكل على وجهه، أو أن لا ينظر في عين مسؤوله، وانما يبقى مطأطأ الرأس حتى يأذن له بغير ذلك... وغيرها من القصص والنوادر اللا عقلية.
وفي الحالات التي تسوء فيها العلاقة بين المسؤول «القراقوشي» وأحد أو بعض من موظفيه فإن أي معاملة لهذا الموظف «المنكوب» سيكون مصيرها الرفض، وهي أهون الحالات ولربما أرحمها، حيث يمكن أن يتطور الأمر إلى إحالة هذا الموظف المسكين على المعاش إذا ما قارب سنه ذلك أو يفرض عليه أمر تقديم الاستقالة أو التسريح من العمل تحت مبررات لا تفتقرها عقلياتنا البيروقراطية.
وتتسم علاقة هذا المسؤول بموظفيه بقدر من الفوقية والتعالي، بل والانقطاع العقلي والاجتماعي، فهو في هذا لا يرغب في أن يسمع إلا ما يريد وأن يُقتصر تواصله على عددا محدودا من موظفيه. وهو في هذا يصم أذنيه إلا فيما يريدان يسمع، ويوظف سلطته الإدارية في الأضرار بمن لا يرغب أو يحب من الآخرين وقد يشمل ذلك من لا يأتي متسقا مع مزاجه المتقلب.
وليس بالضرورة أن يكون المسؤول القراقوشي فاقدا للأهلية من الناحية العقلية أو قاصرا من حيث الكفاءة والقدرة. وإنما هي نمط من أنماط الشخصية التي تزخر بها الكثير من المجتمعات. وتبرز الشخصيات القراقوشية في المجتمعات التي لا يخضع فيها المسؤول للمساءلة والتقييم الدوري، أو في تلك المجتمعات ولربما الحالات التي تغيب فيها معايير التوظيف والترقي وتتلاشى عنها أسس الاختيار الصحيح.
بالمقابل فإن درجة التسيب الوظيفي التي باتت تتشكل وفقه وفي إطاره الكثير من مؤسسات العمل في قطاعها الرسمي ولربما الخاص، خلقت بيئة معطلة لأي شكل من أشكال الإصلاح والتطوير الإداري. فغياب معايير العمل الصحيحة بشكلها المطلق والنسبي قلل كثيرا من إنتاجية هذه المؤسسات وجعل منها بيئة نافية للإبداع وغير مكترثة به.و تتساوى عند البعض قيم الصرامة والمحاسبة في أداء العمل ومعاييرها مع ما أسميناها بالثقافة القراقوشية. ونتيجة لذلك فإن كل مسؤول راغب في قدر من الانضباط الوظيفي في مؤسسة، يتحول عند بعض من موظفيه قراقوشا.
ومع ذلك فإن طبيعة الثقافة التي تدار بها مؤسسات العمل في قطاعها الرسمي قد جعل من كل ذلك سمتها العامة. هي حالة لا يمكن تجاوزها إلا بتفضيل واضح لقيم الإنجاز والكفاءة على المعايير الذاتية التي لم تأت إلا بأنماط مختلفة من الشخصيات القراقوشية والوظيفية الهزيلة وهي حالة بدت في بعضها مخترقة في ذلك بعضا من مؤسسات القطاع الخاص، وهي في هذا مهددة في إنتاجيتها وانضباطه الإداري، الذي إذا ما دخلتها المعايير القراقوشية فإن أداءها وإنتاجيتها لن تكون إلا صفرا. والله من وراء القصد.
كاتب بحريني