أعترف للقارئ العزيز بأنني أحيانا ما أتابع بحكم تخصصي في الشأن الأميركي موضوعات داخلية أو خارجية أميركية تكون ثقيلة على قلبي أو ربما تصيبني بالملل. لكن انتخابات الرئاسة لم تكن أبداً من بين تلك الموضوعات. ففضلا عن أن الانتخابات تمثل لحظة فارقة تكشف عن الكثير مما يموج به المجتمع الأميركي من تحولات الأمر الذي يثير شغف الباحث واهتمامه فإنها كثيرا ماتحمل وقائع ومفارقات طريفة.

وقد حملت الأيام الأخيرة مفارقات طريفة وذات دلالة بالغة الأهمية في آن واحد، وكانت سارة بيلين هي نجمة مفارقات هذا الأسبوع بلا منازع. فبعد أن كان الحزب الجمهوري قد ملأ الدنيا ضجيجا، احتفاء «بجو السباك» كرمز لانحيازه للمواطن الأميركي «العادي»، إذا بالأميركيين يكتشفون أن سارة بيلين المرشحة لمنصب نائب الرئيس عن الحزب قد أنفقت على ملابسها خلال الشهرين الماضيين مايفوق أضعاف ما يتقاضاه أمثال جو السباك فى عام كامل!

وجو السباك هو مواطن أميركي التقى به باراك أوباما في واحدة من جولاته الانتخابية. وقد نقلت العدسات التي ترافق المرشح الديمقراطي وقتها حديثا دار بينه وبين ذلك المواطن الذي قدم نفسه باسم جو وقال إنه يعمل سباكا ويرغب في شراء شركة السباكة التي يعمل بها ثم تساءل عما إذا كان برنامج أوباما الاقتصادي سيكون من شأنه فرض المزيد من الضرائب عليه. وقد استغل ماكين تلك الواقعة في المناظرة التلفزيونية الثالثة واتخذها أساسا للهجوم على برنامج أوباما الاقتصادي باعتباره يقوض «الحلم الأميركي» لدى الملايين ممن يرغبون فى الحراك الاجتماعى عبر العمل الشاق.

ومنذ لحظة انتهاء المناظرة الثالثة لم يكف جون ماكين ونائبته سارة بيلين عن ذكر «جو السباك» فى جولاتهما الانتخابية. وقد صارت لقصة جو السباك دورة حياة خاصة بها حيث بات أنصار ماكين يستخدمون اسم الرجل فى سياقات مختلفة، منها الهجوم على مشروع أوباما الضريبي ومنها اتهام الأخير بأنه يسعى لانقلاب «اشتراكي» يعيد توزيع الدخل والثروة في أميركا، ومنها اتهامه بأنه لا يشعر بنبض المواطن العادي ولا يفهم مشكلاته لأنه يمثل النخبة ولايعرف «أميركا الحقيقية».

لكن تبين أن اللجنة العامة لحزب «جو السباك» قد أنفقت 150 ألف دولار لشراء ملابس لسارة بيلين منذ أن تم الإعلان عن ترشيحها لمنصب نائبة الرئيس. والمفارقة هنا مركبة. فسارة بيلين لم تنفق هذا المبلغ الضخم من جيبها الخاص وانما جاءت تلك الأموال من خزينة اللجنة العامة للحزب الجمهوري! ثم إن حملة ماكين التي تشكو من ضعف التمويل بالمقارنة بحملة أوباما وتعجز عن المنافسة فى عدد من الولايات الحيوية بسبب نقص التمويل هي نفسها الحملة التي كانت على استعداد لإنفاق ذلك المبلغ الضخم على ملابس بيلين!

غير أن الأهم من هذا كله هو أن من يشاهد سارة بيلين لابد وأن يلمح أن ملابسها وطريقة تصفيف شعرها والنظارة الطبية التي ترتديها كلها أمور معدة بعناية فائقة من أجل التأكيد على الصورة التي ترسمها لنفسها كأم لخمسة أطفال. وهي تحب أن تصف نفسها بأنها من «أمهات الهوكي» أى الأمهات اللائي يصحون قبل الفجر لاصطحاب أبنائهن للتدريب على رياضة الهوكي، ومن ثم لا وقت عندهن للتأنق المبالغ فيه أو لاستخدام مستحضرات التجميل.

والمقصود من كل ذلك أن تبدو بيلين مثلها مثل ملايين الأميركيات الكادحات اللائي يقضين وقتهن بين العمل ورعاية الأبناء، فهى مواطنة «عادية لا تنتمي للنخبة». ومن هنا تصبح المفارقة أن تلك الملابس التي يفترض أن تعكس بساطة الأميركية «العادية» قد كلفت الحزب فى الواقع 150 ألف دولار. ولم لا، فتقليد «البسطاء» أمر مكلف بالقطع إذا لم تكن منهم!

لكن سارة بيلين لم تحرمنا فى الواقع من المزيد من الطرافة هذا الأسبوع إذ أجابت بنفسها عن سؤال وجهه لها الإعلامى بريان وليامز حول ماتعنيه بالضبط حين تتحدث عن «النخبوية». هنا قدمت المرشحة لمنصب نائبة الرئيس تعريفا عبقريا، إذ قالت بثبات وثقة تحسد عليهما أن «النخبوي هو ذلك الشخص الذي يتصور أنه أفضل من الآخرين».

وهو تعريف يجعل عم أحمد البواب الذي يؤمن بأنه أفضل من كل من حوله رجلا «نخبويا»، لكنه لا يجعل طبعا سارة بيلين ولا جون ماكين الذي عجز يوما عن حصر عدد البيوت التي يملكها من أبناء النخبة!

لكن تلك المفارقات، رغم طرافتها، تجسد في الواقع وبكل جدية طبيعة المأزق الذي تواجهه حملة ماكين. وهي الحملة التي قد تدخل التاريخ الأميركي باعتبارها واحدة من أسوأ حملات الرئاسة وأكثرها ارتباكا. فقد عجز المرشح الجمهوري عن أن يصوغ رسالة انتخابية متماسكة تعكس رؤية واضحة يمكن أن يلتف حولها الناخبون أو حتى قطاعا مهما منهم.

وظلت الحملة تطلق كل عدة أيام رسالة انتخابية مغايرة ماإن يثبت فشلها حتى تتبعها بأخرى قد تتناقض مع الأولى أو تقول عكسها. فماكين الذي ظل طوال الحملة يؤكد على أهمية الخبرة في شخص من يتولى الرئاسة هو نفسه الذي اختار سارة بيلين المرشحة بحكم كبر سنه لأن تتولى الرئاسة إذا عجز عن استكمال فترة حكمه.

والمرشح الذي ظل طوال تاريخه السياسي من أكبر دعاة تخفيف دور الدولة في تنظيم سوق المال هو نفسه الذي صار يتحدث عن أهمية وضع ضوابط حكومية ووافق على خطة إدارة بوش لإنقاذ الشركات الخاسرة.

لكن الأهم من هذا وذاك هو أن المرشح الجمهوري الذي يسعى لمنصب الرئاسة وسط سخط شعبي هائل تجاه سياسات إدارة بوش لم يستطع أن يعطي للمواطن الأميركي دليلا واحدا مقنعا بأنه ليس امتدادا لبوش كمايردد في كل جولاته الانتخابية.

المشكلة في ذلك كله هو أن حملة ماكين صارت مستغرقة تماما في الهجوم تارة على أوباما وتارة على جورج بوش وبين هذا وذاك لاتقدم للناخب الأميركي رؤية واضحة تميز ماكين!

كاتبة مصرية

manarmes@yahoo.com