المتابع للمشهد الاقليمي يلاحظ أن التطورات والمستجدات ،التي عصفت ولا تزال بالساحة السياسية الاسرائيلية ، منذ أن لاحقت الفضائح المالية اولمرت ، واجبرته على تقديم استقالته ، وانتخاب وزيرة الخارجية تسيبي ليفني زعيمة لحزب «كاديما» وتكليفها بتشكيل حكومة ، وتوصيتها لرئيس الدولة باجراء انتخابات للكنيست بعد فشلها في تشكيلها ، حيث أن المتضرر الوحيد من هذه التغييرات هو عملية السلام.
ففي ظل عدم وجود حكومة اسرائيلية مستقرة وقوية وفاعلة ، فإن هذه العملية ستوضع على الرف كما هو حاصل الان ، فاولمرت وبعد ان قدم استقالته ليس بقادر على القيام بإجراء مفاوضات مع السلطة الفلسطينية ، وغير قادر على اتخاذ قرارات مصيرية وحاسمة ، لانه في حكم المستقيل ، ولم يعد يتمتع بثقة الكنيست و|أن مهام الحكومة المستقيلة تقتصر على تصريف الاعمال الروتينية.
هذا الواقع في تقديرنا سيستمر لمدة لا تقل عن ستة اشهر ، منها ثلاثة اشهر هي المدة القانونية المنصوصة عليها لاجراء انتخابات للكنيست ، يضاف اليها المهلة التي يمنحها رئيس الدولة ، لرئيس اكبر كتلة فائزة في الانتخابات وهي لا تقل عن اربعة اسابيع ، وممكن ان يضاف اليها اسبوعان في حال عدم تمكنه من تشكيل الحكومة ، خلال المدة الاولى.
وهذا يعني بصريح العبارة أن ملف المفاوضات سيوضع على الرف لمدة لا تقل عن ستة شهور ، وهي في تقديرنا مدة طويلة ولا تحتمل الاوضاع الفلسطينية هذا التأخير الخطير ، في ظل تداعيات الاستيطان والحصار المفروض على غزة منذ ستة عشر شهرا ، واطلاق يد رعاع المستوطنين وهم يمارسون حقدهم الاسود ضد المزارعين الفلسطينيين ، ويحاولون منعهم من قطف الزيتون ، والانتهاكات المستمرة للمسجد الاقصى المبارك ، ما يشكل في خطوطه العريضة مشهدا مأساويا قاتما للواقع الفلسطيني ، ينذر بتداعيات خطيرة ، بعد أن بلغ السيل الزبى.
ومن هنا تجيء دعوات جلالة الملك إلى المجتمع الدولي ، وبالذات «للرباعية» والاتحاد الاوروبي ضرورة التحرك والتقاط اللحظة التاريخية المناسبة ، لدفع عملية السلام الى الامام ، قبل ان تلفظ انفاسها تحت جنازير الجرافات والدبابات الاسرائيلية ، وعدم تركها اسيرة مناخ التطرف والمستجدات والتطورات في الساحة السياسية الاسرائيلية ، كما يحدث الان.
وفي هذا السياق لا بد من التأكيد ، أن اسرائيل لم تكن جادة في التعامل مع شروط واشتراطات عملية السلام ، بدليل ارتفاع وتيرة الاستيطان منذ انابوليس في تشرين الثاني وحتى اليوم ، حيث تضاعف عدد الوحدات السكنية التي انشئت في المستعمرات وفق احصاءات منظمة «السلام الان» الاسرائيلية ، بنهج صهيوني خبيث يهدف الى فرض الامر الواقع وهذا ما حذر منه جلالة الملك في حديثه لصحيفة «البايس» الاسبانية مؤخرا .
حينما أكد أن اسرائيل لم تخرج من عقلية القلعة بعد ، وانها امام تحد حقيقي ، فاما أن تقبل السلام وحل الدولتين او لا تقبل ، مؤكدا أن الحل الوحيد للصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي هو في اقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشريف وعودة اللاجئين ، وفقا لقرارات الشرعية الدولية ، والمبادرة العربية مشيرا إلى انه لم يسمع بمبادرة سلام اسرائيلية.
مجمل القول: أن المستجدات والتطورات التي تعصف بالساحة السياسية الاسرائيلية ، تصب في النهاية في خدمة استراتيجيتها ، القائمة على تأجيل المفاوضات ، وفرض سياسة الامر الواقع على الفلسطينيين ، ما يفرض على المجتمع الدولي وبالذات الدول العربية التحرك لانقاذ العملية السلمية من العبث الاسرائيلي.
