سافرت أخيراً إلى الولايات المتحدة الأميركية لعدة أيام بعد خمس سنوات من آخر زيارة لها والتي كانت في مدينة ديترويت عام 2003.
هذه المرة كانت الرحلة إلى مدينة jacksonville جاكسن فيل بولاية فلوريدا هذه المدينة التي تبعد عن مدينة ميامي بحوالي 550 كيلومتراً، وفي طريقنا إليها من مدينة لندن توقفنا في مطار ميامي الدولي الذي شهدنا فيه كما يقال العجب العجاب في التعامل مع المسافرين وطول فترة انتظارهم سواءً كانوا أميركيين أو أجانب، وكأن مطارات أميركا لم تنتهِ إلى الآن وبأمر من حكومة جورج بوش من حالة الاستنفار الأمني بعد أحداث 11 سبتمبر.
استوقفني أحد موظفي أمن المطار الذي لا حول له ولا قوة إلا تطبيق القانون، وقال بأسلوب مهذب: سيدي لقد تم اختيارك وسلمني بطاقة صفراء، وقلت مازحاً: وما هي الجائزة سيارة أم كيلو من الذهب، فرد بأسلوبه المهذب لا هذا ولا ذاك، لكن تم اختيارك للتفتيش الأمني وتابع قائلاً: أي من المطارات التي تقدم جوائز؟
قلت مطار دبي في دولة الإمارات مثلاً عند شرائك بطاقة، وأنا هناك وفي بعض مطارات العالم يختارون الفائزين كما اخترتموني، لم يأخذ التفتيش الأمني أكثر من دقائق رغم دقته، وأنهى معاملتي لكني أشفقت على حالة بقية المسافرين في الطابور، وأكملنا رحلتنا إلى مدينة »جاكسن فيل« هذه المدينة الصغيرة التي تقدر مساحتها بحوالي 200,2 كيلومتر مربع.
ويبلغ عدد سكانها حوالي 800 ألف نسمة، تقع على المحيط الأطلسي وتمتلك شواطئ جميلة يستغلها الأميركان في الصيف والربيع بشكل كبير، كما أنها من أكثر المدن التي زرتها خضرة، وتحتوي على عدد من البحيرات الحلوة والبحيرات الاصطناعية التي لا يستطيع الزائر التفريق بينها وبين البحر، هذا كله إلى جانب نهر يقسم المدينة إلى شطرين، فالزائر إلى المدينة يحس أنه داخل واحة تنتشر فيها الأشجار والمياه أكثر من البنايات التجارية والسكنية، وممنوع منعاً باتاً قطع الأشجار أو القضاء على المسطحات الخضراء بالرغم من كبر مساحتها وكثرة عددها لأنها تعتبر رمزاً للحياة وتعطي روحاً للمدينة وسكانها، لذا هم يؤمنون بأن المحافظة عليها واجب.
وليس كما يحدث عندنا رغم حاجتنا إلى الرقعة الخضراء، إلا أنه يتم القضاء عليها دون شفقة على الأشجار أو رحمة بالمسطحات الخضراء، ودون مراعاة قيمتها لمدينتنا أو المبالغ التي صرفت عليها في الوقت الذي نحن بحاجة إليها وليست هي بحاجة لنا، مع ذلك لم أتعرف على المدينة .
كما يجب لارتباطي بأمور أخرى لكني ذهبت في جولة سريعة داخلها، كما التقيت مع عدد من الأميركان وناقشنا الأوضاع السياسية والاقتصادية بشكل عام، خاصة وأن شغل المواطنين الشاغل في أميركا هذه الأيام هو الانتخابات الرئاسية والكارثة الاقتصادية التي انطلقت من أميركا وانتقلت إلى أوروبا والعالم المرتبط بهما، فكل وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة ليس لها إلا هذين الموضوعين، اللذين ستحدد مصيرهما بعد أيام قليلة.
ويتم التركيز في أغلب البرامج والتحليلات على قدرات المرشحين للرئاسة أوباما وماكين واحتمالات نجاحهما في إخراج أميركا والعالم من هذه الكارثة، مع أن الأغلبية هناك تعتقد أنه لا بإمكان جورج بوش ولا ماكين ولا أوباما إيجاد حل لهذه الكارثة الاقتصادية.
ومن خلال متابعتي للأخبار والتحليلات السياسية، والتي نظراً للوجود الإعلامي القوي والشفاف غالباً ما تنقل صورة واضحة ومفصلة عن الأوضاع الداخلية، لفت نظري أن بعض الأميركيين غير راضين عن ضخ الحكومة مبلغ 700 مليار دولار للحد من الأزمة الاقتصادية، ويقولون إن هذه الأموال من ضرائبهم وتذهب لمصلحة الرأسماليين ولجيوب أصحاب رؤوس الأموال.
ومن موقع آخر، لفت نظري نقل تلفزيوني لحفلة تُقام سنوياً في مدينة نيويورك من قِبل أسرة «الفرد سميث» أحد المرشحين للرئاسة في عشرينات القرن الماضي وهو ديمقراطي، والمعروف أن مدينة نيويورك أغلب سكانها ينتمون إلى الحزب الديمقراطي «الفرد سميث» كان حاكماً لولاية نيويورك.
كما كان معروفاً بروحه المرحة ومع أنه لم يفز بالرئاسة إلا أن أسرته قامت بتأسيس مؤسسة خيرية باسمه وتقيم حفلاً سنوياً تدعو إليه خلال الانتخابات المرشحين للرئاسة قبل الانتخابات النهائية على ألا تناقش الأمور السياسية خلاله، بل يكون الحديث مرحاً يتخلله الضحك والترفيه.
وهذه السنة حضره المرشحان للرئاسة أوباما وماكين، وأنقل مقتطفات على لسان ماكين في هذه الحفلة حيث قال: إن بعضكم يريد، بل يتمنى فوزي بالرئاسة، والتفت تجاه هيلاري كلينتون وكأنه يشير إليها، وفي رأيي ربما هذا صحيح، ففي داخلها قد لا تتمنى فوز أوباما لأنها قد لا تستطيع دخول الانتخابات الرئاسية إلا بعد 8 سنوات كما لا تستطيع منافسة رئيس من الحزب الديمقراطي، أما إذا فاز ماكين فلها الحق في دخول الانتخابات بعد أربع سنوات من الآن.
أما باراك أوباما فقال ضاحكاً خلال الحفل: لو كان من سماني حسين يعرف أني سوف أرشح نفسي يوماً لرئاسة أميركا لما كان فعل.
لكن الواضح أن باراك حسين أوباما يتقدم على منافسه ماكين وإن حصل وفاز فسوف يكون أول أميركي من أصل إفريقي يحكم أميركا مع أن البعض ينكر عليه ذلك وعلى رأسهم «جيسي جاكسون» المرشح السابق للرئاسة والمدافع عن حقوق الإنسان.
حيث صرح بأن باراك أوباما أسود مقلد وليس أصيل، ربما لأنه لم يركز كثيراً خلال حملته على مشكلات السود ومعاناتهم بل ركز على المواطنين الأميركيين بشكل عام، وجيسي جاكسون وغيره من المواطنين السود كانوا يتوقعون منه غير ذلك خاصة وأن الإحصائيات تقول إن عدد السود في أميركا وصل إلى حوالي 8, 12%.
حيث اقترب من عدد ذوي الأصول الإسبانية وأميركا اللاتينية الذين وصل عددهم إلى حوالي 8, 14%، والسود هم الذين يعانون أكثر من العنصرية المنتشرة في بعض الولايات وهم يشكلون أكبر نسبة عاطلة عن العمل وأكثرها حرماناً ومعاناة، فهل هذا يعني إن فاز أوباما وأصبح رئيساً للولايات المتحدة سيكون للسود رأي آخر ومكانة أخرى في المستقبل؟ أم أن أوباما حالة نادرة وقد تكون الأخيرة؟
وهذا كله سوف يتضح من خلال قدرته وبراعته في إدارة دفة الحكم في أميركا ومجاراة شعوب العالم في هذا القرن المتجدد إن حصل وفاز، أم سوف تكون هناك مفاجأة تقلب كل الموازين؟
لننتظر وسوف نرى، مع أن الموازين بالنسبة لنا كشعوب عربية هي دائماً مقلوبة سواء فاز أوباما أو ماكين، وستظل كذلك!
كاتب إماراتي