لم تعرف الدولة الموريتانية الحديثة طعم الاستقرار إلا في ظل حكم الرئيس مختار ولد داده التي سادها الهدوء والطمأنينة، إذ ظهر فيما بعد فكر الانقلاب - إن صح التعبير - فتوالت الانقلابات العسكرية تباعاً، إلى أن تم انتخاب الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله في 25 مارس 2007.
حيث اعتبرت تلك الانتخابات الرئاسية هي الأولى من نوعها التي عرفتها البلاد منذ استقلالها سنة 1960، وتتويجا أيضاً لمسار ديمقراطي نموذج في العالم العربي وإفريقيا، وقطيعة مع حقبة حكم العسكر الشمولي والانتخابات المزورة، عبر تسليم السلطة إلى المدنيين.
غير أن التجربة الديمقراطية الرضيعة لم تدم سوى ستة عشر شهرا، فكما يقول المثل العربي والعالمي الشهير:«إن الثورة تأكل أبناءها»، لكن في الواقع الموريتاني يبدو أن التجربة الديمقراطية هي التي تأكل أبناءها، و ذلك من خلال الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال محمد ولد عبد العزيز ضد حكم الرئيس الشرعي والمنتخب ديمقراطيا سيدي ولد الشيخ عبد الله، في بداية شهر أغسطس الماضي.
وحصل الانقلاب بعد أن وصلت الأزمة السياسية التي كانت تتفاعل في موريتانيا إلى ذروتها في شهر يوليو الماضي، بعد أحداث الرئيس الموريتاني سيدي ولد شيخ عبد الله تغييرات في قيادة الجيش والدرك شملت إقالة «الرجل القوي» في موريتانيا الجنرال محمد ولد عبد العزيز قائد الحرس الجمهوري، والجنرال ولد شيخ محمد أحمد، المتهمين بالوقوف وراء الأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد.
وكان الجنرالان ولد الشيخ محمد احمد ومحمد ولد عبد العزيز عضوين في المجلس العسكري الانتقالي الذي أنجز الفترة الانتقالية الديمقراطية من 2005 إلى 2007 في موريتانيا.
إذا كانت الأزمة السياسية هي السبب المباشر للانقلاب، فإن جذور الأزمة تعود إلى التحديات التي واجهت الرئيس المنتخب ديمقراطيا سيدي ولد شيخ عبد الله، والتي من أبرزها مسألة بناء الدولة المدنية، وعلاقتها بالمؤسسة العسكرية.
هناك عوائق بنيويةً تقف بين الدولة الموريتانية التي هيمن عليها العسكر لأكثر من أربعة عقود وانتصار الفكرة الديمقراطية والحريات في بلد لا يزال يحبو على طريق الحداثة، مثل موريتانيا، الذي على الرغم من أنه عرف نمواً كبيراً لحركات معارضة فإنها لم تستطع أن تكون مجتمعاً مدنياً قادراً على الصمود أمام وطأة الدولة، وعلى التفاوض مع هذه الدولة، وبالتالي على تزويد المجتمع السياسي استقلاليته الفعلية.
عقب سيطرة انقلابيي موريتانيا على السلطة، اجتمع قائد الانقلاب العسكري الجنرال محمد ولد عبد العزيز مع سفراء بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية وأبلغهم أن ما حصل في موريتانيا، كان تصحيحا لمسار ديمقراطي تعرض للتحايل والتحريف، وأكد لهم التزامه إعادة السلطة إلى المدنيين بعد فترة انتقالية لا تزيد عن ثلاثة أشهر تنظم بعدها انتخابات رئاسية.
«إنقاذ البلاد»، تلك المهمة الثانية التي يضطلع بها الجنرال محمد ولد عبد العزيز. ففي سنة 2005، لعب دورا رئيسا في الإطاحة بحكم عسكري آخر، الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع، بعد بقائه في الحكم لمدة عشرين سنة، من دون تقاسم السلطة مع أحد. و يفضل قادة الانقلاب التحدث عن ثورة داخل القصر، أو تصفية حسابات بين حلفاء الأمس.
في ظل عدم الاعتراف بالأمر الواقع في موريتانيا من قبل المجتمع الدولي، أعلن رئيس المفوضية الإفريقية جان بينغ أن الاتحادين الإفريقي والأوروبي على الخط نفسه بشأن العودة إلى النظام الدستوري، فيما اشترطت فرنسا الإفراج عن الرئيس الموريتاني المخلوع سيدي ولد الشيخ عبد الله للقيام بزيارة لوفد فرنسي وزاري لموريتانيا.
وكان الاتحاد الأوروبي الذي تترأس فرنسا دورته الحالية، أمهل موريتانيا الاثنين الماضي، شهرا لتقديم اقتراحات بشأن العودة إلى النظام الدستوري، تحت طائلة فرض عقوبات عليها وذلك عقب اجتماع في باريس بين الاتحاد الأوروبي والمجلس العسكري الحاكم في موريتانيا.
كاتب تونسي