ثمة مواضيع حساسة تتقاذفها المنتديات الفكرية في مختلف أنحاء العالم، باعتبارها وقود الصراع الذي تحاول من خلاله التيارات المختلفة إيجاد الأجوبة التي تهم عامة الشعب من أبناء هذا الكوكب، بالإضافة طبعا للمفكرين والفلاسفة. وقد برزت تلك المواضيع مجددا خلال منتدى 2000 الفكري من خلال مساهمات المفكرين المشاركين ومنهم بعض العرب من أمثال الأمير تركي الفيصل وعمّار الحكيم، بالإضافة لغيرهم من ممثلي التيارات الفكرية المختلفة في أوروبا والغرب عموما.

ويبدو، حسب رأيي، بأن ما ميّز المنتدى لهذا العام كان سعيه لإضفاء طابع الموضوعية على نقاط الخلاف المطروحة، خصوصا تلك التي اعتمد عليها مروجوها لتقسيم العالم الحالي بين طرف يحب الشر وآخر يطمح دائما إلى الخير.

في حين كانت مشاركة الشخصيات العربية مفيدة جدا وإن كان بعضها قد التزم بالعناوين العريضة لخطابه السياسي مثلما فعل عمّار الحكيم، في حين فاجئنا الأمير تركي الفيصل بالمرونة والجرأة التي ميّزت بعض مواقفه فيما يخص النقد الذاتي الذي مارسه حيال ما وصفها بالممارسات الخاطئة التي لا تساهم سوى بتعزيز الصورة المشوهة عن العرب والمسلمين.

وإذا كان عمّار الحكيم مضطرا للتحدث انطلاقا من موقعه السياسي المسؤول، فإن كلامه عن التسامح الديني وقدرة المسلمين على الانفتاح على الآخرين قد ساهم بلا شك بتقديم صورة جيدة عن الدين الإسلامي الذي يتعرض لأكبر حملة تشويه في الوقت الحاضر، كما ساهم في قلب بعض المفاهيم الخاطئة التي كانت منتشرة عن رجال الدين المسلمين، وأبرزها ما يتعلق برفضهم الحوار أو حتى التلاقي على طاولة الحوار مع رجال دين مسيحيين أو غيرهم.

مقابل ذلك أثبتت مداخلات الأمير تركي الفيصل بأن الخطاب التقليدي المهترئ لم يعد يقنع أحدا، لا في الداخل ولا في الخارج حتما، وأن مخاطبة الرأي العام الآخر بانفتاح وجرأة سيساهم في تقديم صورة مشرقة عن المفكر العربي الذي طالما اتهم بالتحجر والانغلاق الفكري.

وإذا كان مفكّرو العالم الإسلامي قد قبلوا هذا التحدي وقرروا خوض الحوار أو الصراع الفكري في منتديات الخارج انطلاقا من انفتاحهم على كافة الآراء وممارسة قدر كافٍ من النقد الذاتي، فإنني أعتقد بأن المرحلة المقبلة ستكون أكثر قدرة على تحديد الملفات الشائكة ووضع الحلول الناجعة لها.

لماذا الإشارة إلى المشاركة العربية تحديدا وليس إلى المشاركات الأخرى في المنتدى المذكور؟ ذلك لأن فحوى أي نقاش فكري يدور في العالم حاليا يتمحور حول سلسلة من المواضيع المرتبطة بشكل جذري بعالمنا العربي والإسلامي عموما، لا سيما ما يدور منها حول «الإيمان والتطرف» و«الأقوياء والضعفاء» و«جذور التطرف الديني» و«عصر الخوف» وما شابه، وهي عناوين كبيرة جدا يتم طرحها بين وقت وآخر باعتبار أن العالم العربي أو الإسلامي متورطين بشكل مباشر في صنعها وتأجيجها، إن كان من خلال التلكؤ في معالجة المشاكل أحيانا، أو التعمد في تأجيج الصراع أحيانا أخرى.

وقد أثبتت النقاشات سلسلة من الأمور الهامة التي قد يكون مفيدا التطرق إليها لأنها ستشكل مادة أساسية في التبادل الفكري المقبل، لا سيما في ما يخص المواضيع المطروحة والمحددة أعلاه، وأهمها:

- التفاهم بين معظم التيارات الفكرية على أن الدين يلعب دورا هاما في تحريك الشعور والحس الوطنيين لدى الشعوب، لأنه يظلّل تحركاتهم وأهدافهم التي يسعون لتحقيقها. وبالتالي فإن لرجال الدين دورا بارزا في كيفية لجم أو تعبئة ذلك الشعور، فهم يساهمون بتغليب مفهومي الدين المتسامح أو المتطرف في الحياة العامة. وقد انعكس هذا الأمر في التجارب المأساوية التي شهدنا فصولها في بعض أنحاء العالم.

حيث تسرب العنف إلى تفاصيل الحياة العامة بسبب سعي المسؤولين لتعزيز ظاهرة التطرف الديني من أجل تحقيق المكاسب الذاتية. هذا الأمر لا ينعكس بكل تأكيد على رجال الدين المسلمين لوحدهم، بل على رجال الدين المسيحيين واليهود وغيرهم أيضا.

- ثمة دور آخر مهم يلعبه من يوصفون بالأقوياء انطلاقا من حقيقة سيطرتهم على مقدّرات السلطة والمال والعسكر لتحقيق التغيير المنشود أو تكريس الجمود الواقع في المجتمع. وفي هذا السياق يتشارك المفكرون في تقييمهم لأهمية الدور الذي يضطلع به هؤلاء «الأقوياء»، لكنهم يختلفون بتقييم ما يمكن للضعفاء أن يقوموا به من أجل إيصال صوتهم وأحداث نقلة معيّنة لتحسين أوضاعهم.

وينبع التفاوت بلا شك من الاختلاف الجذري في الانتماء الإيديولوجي لهؤلاء المفكّرين، فلا يمكننا أن نتوقع على سبيل المثال أي تعاطف من قبل من هو منسجم مع الأفكار الشمولية مع تحركات سلمية مثل الثورة المخملية، أو أي تعاطف مع التمرد المقاوم في فلسطين من قبل مفكر مفعم بالإيديولوجيا الصهيونية.

- طبيعة الخوف الماثل أمامنا حاليا، وفيما إذا كنا قد دخلنا فعلا عصرا جديدا يميزه الخوف أم أننا دخلنا مجددا في عصر كان قائما وعاد ليسود انطلاقا من واقع الصراع الإرهابي القائم والذي يفيد بأن الأمور في العالم تتدهور بشكل سلبي للغاية لدرجة أن جميع الإنجازات التي حققتها البشرية قد اندثرت لنعود مرة أخرى إلى دائرة الخوف والقلق. لقد استدعت هذه النظريات انتفاضة حقيقية من قبل بعض المفكرين الذين أكدوا بأن العالم لم ولن يدخل عصر الخوف لأنه بكل بساطة قرر مواجهة الإرهابيين الذين يسعون لنشر الخوف من خلال إرهابهم.

باختصار، لقد أثبتت المواجهة العقائدية بشتى أنواعها بأن الفكر الجريء هو فكر مواجه، وأنه إذا كان يملك الحجج المنطقية والمطلوبة فإنه سيكون قادرا على محاكاة لغة العصر. ومن يصر على اعتماده على اللغة الخشبية، يجب عليه أن يراجع حساباته الفكرية جيدا.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz