اضافت اسرائيل الى رصيد التعقيدات المتراكمة امام التسوية السلمية للصراع العربي ـ الاسرائيلي تعقيدا جديدا باتجاهها نحو انتخابات مبكرة وهو هدف كان يسعى اليه المتطرفون في المسرح السياسي الاسرائيلي الذين يشكلون القوة الحقيقية المحركة للأحداث، مهما تكاثرت التصريحات المماثلة لتصريح الرئيس الاسرائيلي في شرم الشيخ مؤخرا والذي أراد اعطاء الانطباع للعالم بأن اسرائيل تقبل المبادرة العربية للسلام وقد اثبتت عقبات تشكيل الوزارة الجديدة التي كلفت بها وزيرة الخارجية الحالية تسيبي ليفني والتي ادت الى فشلها في إعداد الائتلاف المناسب وتجنب الانتخابات المبكرة، ان الاسرائيليين يستبد بهم هاجس الخوف من السلام الى حد الرغبة اللارادية في تجنب أية مبادرة سلمية. حيث مازال شبح اغتيال رئيس الوزراء الاسبق اسحق رابين ماثلا امام أعين السياسيين الاسرائيليين.
فمن الذي ستواتيه الشجاعة منهم ليقدم برنامج حكومته الجديدة على اساس المبادرة العربية التي زعم بيريز قبولها؟ وهي تنص على سلام يقوم على تأسيس الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس ، في نفس الوقت الذي يجري فيه تهويد المدينة المقدسة على قدم وساق.
بالتأكيد ليفني تصمد امام رغبات المتطرفين الاسرائيليين ولذلك فهي تسعى الى انتخابات مبكرة رغم أنفها لتضمن امرا من اثنين: اما النجاة بجلدها من تهديدات التطرف الاسرائيلي بقتل كل من يجرؤ على وقف الاستيطان او المطالبة بتسليم القدس (الشرقية) للفلسطينيين ليجعلوها عاصمة دولتهم، وإما الحصول على اغلبية ملائمة توفر لها القدرة على مواجهة ابتزاز المتطرفين في اليمين الاسرائيلي.
والابتزاز هنا لا يعني المطالبة بالأرض والاحتفاظ بالمدن فقط وإنما الاحتفاظ بالميزانيات الكبيرة التي تدفع للمستوطنين وتدعم موقفهم وتسلحهم لمواجهة أية محاولة لإخراجهم من المستوطنات بالقوة.
بالطبع فإن القادة الفلسطينيين في السلطة الوطنية الفلسطينية يدركون تمام الإدراك ابعاد المأزق الاسرائيلي، ولذلك فهم يعلنون دائما انهم على استعداد للمضي قدما في عملية السلام مهما كان شكل الحكومة التي ستستطيع اسرائيل صياغتها عقب الانتخابات المبكرة القادمة، حيث هم قد خبروا كل أدوات الساسة الاسرائيليين على اختلاف توجهاتهم لنسف امكانيات السلام.
هذه النتائج المؤسفة لتعسر ليفني يضيف ضعفا لاحقا الى ضعف سابق يضيف ضعف ليفني الى ضعف اولمرت ولن تكون الحكومة القادمة احسن حالا بالتأكيد لانها لن تملك اسباب القوة وسط الاشتراطات التي يطرحها المتطرفون والمستوطنون.
وهذا الموقف يؤكد مرة اخرى ان الحل لن يأتي من داخل اسرائيل بل من خارجها بحيث تتحول مطالب مجلس الامن الدولي بشأن إرساء سلام الشرق الاوسط الى البند السابع لإرغام اسرائيل على الالتزام بقراري 242 و338 اللذين ينصان على الانسحاب من الاراضي التي احتلت عقب حرب يونيو 1967 سواء اقيمت عليها مستوطنات ام لا.
اما كل الذين يدورون حول مقولات تتضمن ترك الاسرائيليين يصيغون معالم السلام الذي يريدونه فإنهم بالتأكيد واهمون وهاهو دليل جديد على سباحتهم في الوهم ممثل في اخفاق ليفني في تشكيل الوزارة وحصول خصومها على مزيد من الوقت لتعظيم قدراتهم على إحباط أي توجه للتسوية السلمية.
