شعور بالحيرة يشغل المراقبين الاقتصاديين من استمرار معدل انخفاض الأسعار، وعدم استجابة أسواق النفط العالمية لعلاج الصدمة التي أحدثها قرار منظمة «الأوبك» الأخير بخفض الإنتاج بمقدار مليون ونصف مليون برميل لسحب الفائض من الأسواق، بهدف حماية عائدات المنتجين من التآكل ومنع استمرار انخفاض الأسعار!
ذات الشعور بالحيرة ترافق مع أوضاع غير منطقية في الفترة السابقة على الأزمة المالية العالمية، تمثلت في أنه كلما زادت الضغوط الأميركية والأوروبية على دول الأوبك لزيادة الإنتاج بهدف خفض الأسعار وتلبية احتياجات السوق، ارتفعت الأسعار رغم كفاية المعروض من البترول في الأسواق بزيادة تفيض عن احتياجات المستهلكين!
هذه الحيرة المزدوجة وضعتنا أمام معادلات غير منطقية خارج إطار قانون العرض والطلب، بما يطرح أكثر من سؤال..الأول لماذا زاد الإنتاج بغير ضرورة بما زاد المعروض عن حاجة السوق؟ ولماذا زادت الأسعار رغم ذلك بينما يفرض القانون أن تنخفض؟!
والثاني، لماذا انخفضت أسعار البترول إلى أكثر من النصف في ثلاثة شهور فقط؟ ولماذا استمرت الأسعار في الانخفاض رغم قرار تقليل حجم المعروض الفائض بينما يفرض القانون أن ترتفع؟!
وحول السؤال الأول، فإن زيادة الإنتاج رغم عدم حاجة الأسواق، تمت بفعل ضغوط سياسية أميركية وأوروبية بهدف خفض الأسعار وزيادة استنزاف الاحتياطي من الدول المنتجة بأكبر حجم وأسرع وقت وبأقل الأسعار، لتخزينه وزيادة مخزونها الاحتياطي الاستراتيجي وللاستئثار به لمنع حصول الاقتصادات المنافسة والصاعدة مثل الصين عليه لعرقلة نموها.. وهذا مخالف لأخلاقيات التجارة وحرية الأسواق!
أما لماذا ارتفعت الأسعار رغم وجود فائض في العرض عن حجم الطلب، فلم تكن المشكلة في نقص حجم الإنتاج بل بزيادة حجم المضاربات والسلوكيات الاحتكارية!
وحول السؤال الثاني، فإن انخفاض الأسعار بدأ مع بداية الأزمة المالية وآثارها الاقتصادية، وبدء المستثمرين والمضاربين تخفيض أعمالهم بعد وقوع الأزمة المالية والدخول في الركود الأميركي والأوروبي والمخاوف من شبح الكساد العالمي..
أما لماذا لم تكن الصدمة بخفض الإنتاج شافية ولم ترتفع الأسعار رغم تخفيض الإنتاج وبالتالي المعروض في الأسواق؟ فلأنها على ما يبدو لم تكن كافية، ولأن حجم التخفيض وهو مليون ونصف كان بالتأكيد أقل من حجم الفائض المعروض في الأسواق والذي يقدر بأربعة ملايين!
والغريب بعد ذلك كله أن ترتفع أصوات الدول المستهلكة التي ضغطت لإغراق الأسواق بالفائض من البترول، لتخفيض الأسعار ولتحقيق مصالحها على حساب مصالح المنتجين صارخة: «صدمة الأوبك قاتلة للاقتصاد العالمي في ظل أزمته الحالية»! وتحاول العودة إلى الضغط من جديد لمنع تقليل هذا الفائض، لتحقيق مزيد من مصالحها على حساب مزيد من الإضرار بمصالح المنتجين!
لكن في علم الطب.. علاج طبيعي فعال بالصدمات الكهربائية بهدف شفاء المريض وليس بهدف قتل المريض، وتحدد قوة الصدمة لشفاء المريض بالفولت المناسب والعدد المناسب للتشخيص الصحيح للحالة المرضية.