يبدو أن الموظفين هم الحلقة الأضعف في سلسلة المنظومة الاجتماعية، إذ لا حصانة لهم تحميهم من تطبيق أي قرار أو عقوبة عليهم، إلى درجة التهديد بإنهاء خدماتهم وحظر تقديم الخدمات لهم، وربما وصل الأمر إلى محاصرتهم في بيوتهم ومنعهم من الخروج إلى الشوارع واستخدام الطرق، وقطع كل الإمدادات عنهم إذا استدعى الأمر ذلك من وجهة نظر بعض الجهات والقائمين عليها.
هذا هو الانطباع الذي تكوّن لدينا بعد قراءة تصريحات مدير عام هيئة الإمارات للهوية، الذي أكد الأسبوع الماضي أن القانون الخاص بشأن السجل السكاني يحظر على المؤسسات الحكومية الاتحادية والمحلية وشبه الحكومية تقديم خدمات للمواطنين أو استبقاءهم في وظائفهم أو قبول موظفين مواطنين جدد، ما لم يكونوا حاصلين على بطاقة الهوية مع بداية عام 2009م.
كما يحظر القانون تقديم الخدمات للموظفين المقيمين العاملين في المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية وحاملي الشهادات العليا بالقطاع الخاص الذين لم يحصلوا على بطاقة الهوية مع بداية عام 2009، ويقضي بعدم استبقائهم في وظائفهم مع نهاية عام 2010م!
وتنفيذا لهذا القرار أشار مدير التخطيط بالهيئة إلى أنه تمت مراسلة جميع المؤسسات الحكومية المحلية والاتحادية وشبه الحكومية، للتذكير بالقانون ونصوصه المتعلقة بالموظفين لديهم، وتم تنظيم حملات إعلامية عبر الصحف ووسائل الإعلام المختلفة وموقع الهيئة الإلكتروني، لحث جميع المؤسسات والقطاع الخاص على ضرورة التحرك لحصول موظفيهم على بطاقة الهوية كي يخلوا أنفسهم من المسؤولية.
لا نظن أن هناك مواطنا مخلصا لوطنه ولا مقيما محبا لهذا الوطن حريصا على أمنه ومصلحته، يقلل من أهمية الهدف الذي أنشئت من أجله الهيئة، ولا الدور الذي تقوم به منذ إنشائها.
ولا رسالتها المتمثلة في العمل على تعريف وحماية هوية الأفراد وتسهيل تعاملاتهم بصورة آمنة، وذلك من خلال إنشاء وتطوير قاعدة بيانات سكانية دقيقة، وإصدار بطاقة هوية متعددة الاستخدامات ذات رقم موحد، مع توفير البيانات والإحصائيات اللازمة لصُنّاع القرار بشكل يساهم في التنمية الشاملة لكافة قطاعات وشرائح المجتمع.
وذلك من خلال برنامج السجل السكاني الذي سيتم تحديثه باستمرار وربطه إلكترونيا بالأنظمة الحكومية وغير الحكومية لتوفير نظام للتحقق من الهوية الشخصية، هذا البرنامج الذي نعتقد أنه مهم وضروري في عصر أصبحت المعلومة فيه سلاحا، بل غدت هي السلاح الأهم لكسب أي معركة في أي ميدان وعلى أي مستوى، ولكن ألا ترى الهيئة أن تعاملها مع المواطنين والمقيمين في تحقيق أهدافها يأخذ منحى هو أقرب إلى التهديد والوعيد منه إلى الترغيب والإقناع؟
يتضح ذلك من خلال إعلاناتها التي ركزت على تعريض المتأخرين عن التسجيل للمساءلة القانونية، بدلا من حثهم على المبادرة إلى التسجيل لأن في ذلك مصلحة الوطن ومصلحتهم، ثم جاء تهديد مدير عام الهيئة الأخير ليكرس هذا النهج الذي تتبعه الهيئة ويدمغها بالصبغة العسكرية التي هي ليست عيبا في جوهرها، لكنها تُستخدَم في المكان غير المناسب، وفي وقت تتجه فيه حتى الأنظمة العسكرية التقليدية إلى ارتداء حلة المجتمعات المدنية.
نعترف أنه كان هناك تباطؤ من قبل المواطنين في الإقبال على التسجيل عندما فتحت الهيئة أبوابها للجميع بعد الانتهاء من تسجيل العسكريين، ولكن على الهيئة أن تعترف أيضاً أن مراكزها لم تكن مهيأة لاستقبال الأعداد الهائلة التي هرعت إلى التسجيل خوفا من المساءلة القانونية التي استخدمتها الهيئة شعارا لحملتها الإعلامية.
حيث وجد المراجعون هذه المراكز غير قادرة على استيعاب الأعداد الكبيرة التي كانت تصطف على أبواب مقرات التسجيل قبل بداية الدوام بساعات كي تحصل على أرقام للتسجيل، وكان أغلبها يرجع خائبا لعدم مقدرة المراكز على استيعاب هذه الأعداد، علاوة على أن عدد هذه المراكز كان قليلا لا يتناسب مع حجم بعض المدن، ففي مدينة «أبوظبي» العاصمة على سبيل المثال.
لم يكن هناك في بداية الصيف خلال فترة الإغلاق المؤقت لمركز أرض المعارض، سوى مركز واحد هو المركز الواقع بمبنى «الأمانة العامة للبلديات» الذي كان الوصول إليه يشكل معاناة شديدة للمراجعين، حيث لم تكن هناك أي لوحة تدل على أن هناك مركزا للهوية في تلك المنطقة.
ولم يكن موظفو الهيئة الذين يردون على هاتفها المجاني يستطيعون تحديد مكانه للمتصلين، إلى درجة أن أحد المواطنين استعان بغرفة العمليات في شرطة «أبوظبي» للتعرف على المكان فلم تستطع هي الأخرى أن تدله عليه، حتى تصادف وجود دورية للشرطة هناك قامت مشكورة بالبحث معه عنه.
ولم تستطع الاستدلال عليه إلا من خلال التجمع الكبير الذي كان يحيط بالمبنى الذي لم يكن مكتوبا عليه ما يشير إلى وجود مركز للهوية الوطنية به، سوى ورقة بيضاء صغيرة (ء4) ملصقة بجانب المصعد الصغير الذي كان يصطف أمامه طابور طويل من النساء والرجال، ما أن يصعدوا إلى الطابق الذي يقع به المركز حتى يقرروا المغادرة لشدة الزحام وضيق المكان، ولأن كل من يقابلهم في طريقهم ينصحهم بذلك لأن الأرقام قد نفدت، رغم أنه لم يمض على بداية الدوام أكثر من ربع ساعة!
أما حجز المواعيد عن طريق موقع الهيئة الإلكتروني فهو معاناة من نوع آخر، علاوة على أن الموقع نفسه بطيء جدا لا يستجيب لطلبات الزائرين إلا بعد محاولات مضنية، فكيف تريد الهيئة من المواطنين والمقيمين الانتهاء من التسجيل في المواعيد المحددة، وتهددهم بالفصل من وظائفهم والامتناع عن تقديم الخدمات لهم والحال هذه؟
وهَبْ أن الهيئة استطاعت أن تنال من الموظفين وتضغط عليهم، فكيف ستتعامل مع غير الموظفين من العاطلين الذين لا وظيفة لهم تقطعها؟ وماذا ستفعل بالموسرين الذين أغناهم الله عن الوظيفة وذلها؟ هل تراها ستحاصرهم في قصورهم ويخوتهم أم ستلجأ إلى وسائل أخرى لم تكشف عنها بعد؟
نتمنى على هيئة الهوية أن تتعامل بروح القوانين حتى لو كانت نصوصها صارمة، ونعتقد أنه يجب إعادة النظر في القرارات التي جاءت على لسان مدير عام الهيئة الأسبوع الماضي، لأن هناك من الوسائل ما يمكن أن يحقق أهداف الهيئة دون اللجوء إلى إنهاء خدمات الموظفين ومحاصرتهم لمجرد أنه لا حول ولا قوة لهم، ولأنهم الحلقة الأضعف في منظومة المجتمع.
كاتب إماراتي