بالتأكيد هي موافقة إسرائيلية خبيثة ملغومة على المبادرة العربية للسلام. وبالتأكيد هناك أجندة خفية شيطانية وراء هذه الموافقة!
فلو كانت تلك الدولة تريد السلام أصلا لتم هذا السلام منذ زمن. فما معنى أن نرى ـــ هكذا فجأة ـــ انتفاضة سلامية إسرائيلية جديدة، وكأن إسرائيل في سباق مع الزمن من اجل التوصل إلى تسوية سياسية شاملة، وكأنها مشبعة بالنوايا الحسنة وبمنتهى الحرص على السلام!!
هكذا فجأة ودون سابق تمهيد إعلامي، يطل علينا عدد من أقطاب إسرائيل بنوايا ومبادرات جديدة، تقلب الحسابات التفاوضية التي اكتوينا بنيرانها وتداعياتها النكبوية ـــ منذ مدريد وحتى اليوم ـــ رأسا على عقب!
ففي الوقت الذي تتحدث فيه المصادر السياسية الإسرائيلية والفلسطينية عن تمسك الطرفين بمواصلة عملية المفاوضات بعد أن تشكل ليفني حكومتها الجديدة، يطلق رئيس إسرائيل عجوز السياسة الإسرائيلية شمعون بيريز بالونا سياسيا مناوراتيا مخادعا جديدا، يطالب فيه بالانتقال من المفاوضات المسارية الثنائية إلى مفاوضات جماعية مع العرب، من اجل التوصل إلى «سلام إقليمي» على أساس المبادرة العربية!
تصوروا.. يقول بيريز في لقاء له مع الحاخام عوفاديا يوسف: «من الخطأ إجراء مفاوضات منفصلة مع السوريين وأخرى منفصلة مع الفلسطينيين، وعلى إسرائيل أن تتوقف عن إجراء مفاوضات منفصلة وان تتوجه إلى اتفاق سلام إقليمي ومفاوضات مع الدول العربية ومع الجامعة العربية».
فيا سبحان مغير الأحوال والقناعات والسياسات الإسرائيلية تغييرا استراتيجيا! فكلنا نذكر تماما أن إسرائيل هي التي عارضت بكل ثقلها وثقل حليفتها الأميركية معها فكرة عقد مؤتمر دولي، وكذلك فكرة إجراء مفاوضات جماعية مع العرب، وهي التي فرضت عليهم نظرية المفاوضات المسارية الثنائية بين إسرائيل وكل طرف عربي على حدة!
ويزعم بيريز انه يعمل من خلف الكواليس منذ زمن بعيد من اجل «سلام إقليمي»..! ألم يكن بيريز رئيسا للحكومة الإسرائيلية أو نائبا لرئيسها أو وزيرا للخارجية على مدى سنوات عديدة؟ فأين كان من ذلك؟!
ولم يبق بيريز يتيما في دعوته، إذ سرعان ما انضم إليه الجنرال باراك، الذي أعلن أيضاً أن «إسرائيل تدرس بجدية المبادرة العربية للسلام»، وقال لإذاعة الجيش الإسرائيلي (19/10/2008) انه «في غياب تقدم على المسارين التفاوضيين الفلسطيني والسوري، قد يكون الوقت حان للبحث عن صفقة سلام شاملة في المنطقة»، مشيرا ـــ تصوروا ـــ إلى «المصلحة المشتركة والعميقة بين الدول العربية المعتدلة وإسرائيل في احتواء طموحات إيران النووية، والحد من نفوذ «حزب الله» في لبنان.
وحركة «حماس» في قطاع غزة»! علما أن باراك هو الذي كان نسف عملية المفاوضات واحتمالات التسوية مع الفلسطينيين في «كامب ديفيد 2»، وحولها إلى شظايا متطايرة عجز الجميع عن لملمتها حتى اليوم، بعد أن زعم أن «الفلسطينيين هم الذين افشلوا المفاوضات وانه ليس هناك من شريك فلسطيني»، وهو يأتي اليوم مرة أخرى ليؤكد الاسطوانة المشروخة ذاتها بتحميله الفلسطينيين قبل أيام مسؤولية فشل المفاوضات، إذ قال «إنهم السبب في عدم التوصل إلى اتفاق سلام».
مضيفا في حديث مع إذاعة الجيش الإسرائيلي إنه «في حال لم يحصل أي تقدم سياسي مع الفلسطينيين قبل نهاية العام الحالي، فإن ذلك سيكون ذنبهم»، زاعما «أن الاعتراف بضرورة اتخاذ قرارات مؤلمة لم ينضج بعد لدى الجانب الفلسطيني». بالضبط ذات السيناريو الذي انتهجه في مفاوضات الكامب التي قادت إلى السور الواقي وانتفاضة الأقصى...!
وكانت تسيبي ليفني وزيرة خارجية إسرائيل والمكلفة برئاسة الحكومة ـــ إن شكلتها ـــ أطلت علينا بمطالبة العرب بـ»التطبيع أولا، ثم السلام»، وذلك قبل حل القضية الفلسطينية! وليس ذلك فحسب، بل وعلى نحو متكامل ومتناغم، لم تتأخر وزيرة الخارجية الأميركية رايس أيضاً عن التجاوب السريع مع رؤية ومطالب ليفني، على نحو يمكن وصفه بأنه «عندما ترعد عند ليفني تمطر عند رايس...». أما رئيس الوزراء الإسرائيلي المستقيل أولمرت، فقد كان أبدى موافقته على المبادرة العربية «شرط شطب حق العودة للاجئين الفلسطينيين» (28/7/2007).
وفلسطينيا دعا أحمد قريع إلى «اجتماع لوزراء الخارجية العرب للتحضير لقمة عربية تخصص لتفعيل المبادرة العربية»، وقال في لقاء مصغر مع عدد من الصحفيين العرب في باريس: «إن هناك ضرورة أن يجري العرب فحصاً دقيقاً للدعوات الإسرائيلية، التي تكررت في الآونة الأخيرة والداعية إلى مفاوضات شاملة (وكالات 21/10/2008).
فلماذا يريد أبو العلاء فحص الدعوات الإسرائيلية بدقة؟! وكأنه لم يجر مفاوضات عقيمة سقيمة، ولم يعقد نحو مئة لقاء مع تسيبي ليفني في هذا السياق! وكأنه لم ييأس من المماطلة والعبث الإسرائيليين! وكأنه لا يرى هستيريا الاستيطان والتهويد على الأرض وفي القدس! وكأنه يريد المفاوضات فقط من اجل المفاوضات إلى ما لا نهاية!!
الدكتور مصطفى البرغوثي قال: «إن تصريحات الرئيس الإسرائيلي بيريز بشأن تغيير طابع المفاوضات، تؤكد أنه «أخبث» القادة الإسرائيليين على الإطلاق، وهو يسعى لتكريس تصفية القضية الفلسطينية عبر تمييعها في إطار عربي» (20/10 /2008).
إذن، نحن أمام موافقة إسرائيلية ملغومة بثلاثة أهداف كبيرة ـــ ناهيك عن جملة أهداف أخرى لا مساحة لعرضها هنا ـــ وراء قصة «السلام الإقليمي» و«المفاوضات على أساس المبادرة العربية»، هي: «التطبيع» و«شطب حق العودة» و«احتواء إيران النووية وحزب الله وحماس». نعتقد في ضوء كل ذلك أن على الفلسطينيين والعرب أن يستيقظوا. فكفى لأكذوبة السلام، وكفى للتنازلات المجانية، وكفى للتطبيع العربي المجاني على حساب نكبة فلسطين!
ولنستحضر تلك الأدبيات التوراتية والسياسية الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية، وفي قضايا «المفاوضات الجماعية» و«المؤتمرات الدولية للسلام» واتجاه «السلام الإقليمي على أساس المبادرة العربية». ولنستحضر قليلا الاستراتيجيات الإسرائيلية الحقيقية المطبقة على ارض فلسطين ولبنان والعراق...
