بدأت الدول الخليجية في الفترة الأخيرة التركيز على مسألة امتلاك القدرة النووية للأغراض السلمية، وبدأت العديد منها بعقد اتفاقيات مع دول وشركات ذات خبرة في هذا المجال من أجل تولي مهمة إجراء الدراسات الأولية لإنشاء مثل تلك المنشآت الخاصة بتوليد الكهرباء باستخدام الطاقة الذرية.
ولقد كنا وما زلنا من المؤيدين لضرورة امتلاك الدول الخليجية للقدرات النووية في مجال الاستخدامات السلمية لما فيها من نفع على دول وشعوب المنطقة الخليجية. فالمعروف أن تكلفة إنتاج الكهرباء عن طريق الطاقة النووية هي أقل كلفة عن إنتاجها بالطرق التقليدية المعمول بها حالياً.
كما أن المنشآت النووية هي منشآت صديقة للبيئة حيث لا ينبعث منها الغازات الكربونية المسببة لارتفاع درجة حرارة الأرض ولا تستهلك كثيراً من الوقود، وبالتالي فإن نفاياتها أقل من النفايات التي تخلفها منشآت الطاقة الأخرى.
ليس غريباً القول إن دول الخليج العربية بحاجة إلى مصادر توليد الطاقة الكهربائية بشكل أكبر من ما لديها في الوقت الحاضر. فهي وعلى الرغم من أنها دول نفطية ودول تنتج الغاز إلا أن حاجتها من الطاقة الكهربائية في تزايد مستمر، ومع الطفرة العقارية الكبيرة التي تعيشها العديد من مدن دول الخليج أصبحت الحاجة إلى مزيد من الطاقة الكهربائية أمراً ضروريا.
فلا نبالغ إن قلنا ان هناك العديد من المشاريع في الدول الخليجية تتضرر بسبب عدم توفر الطاقة الكهربائية الكافية لسد احتياجات مثل تلك المشاريع. لذلك فإن السير في طريق إدخال الطاقة النووية في مجال توليد الكهرباء هو خيار ناجح من الناحية الاقتصادية وستستفيد منه دول الخليج العربية بشكل كبير.
بالإضافة إلى ذلك كله فإن العمل على إنتاج الكهرباء بالطرق التقليدية المعتمدة على الغاز والنفط هو عمل قد لا يكون مجديا للمستقبل بسبب أن ضمان بقاء مثل هذه المصادر معنا إلى الأبد أمر غير مؤكد بل انه لا بد أن يأتي اليوم الذي تصبح فيه هذه المصادر نادرة حتى في دول منطقة الخليج التي تعتمد اليوم اعتماداً كليا عليها في سبيل توليد طاقتها الكهربائية.
فالمستقبل لن يكون في يد الوقود المستخرج من قاع الأرض وإنما سيكون في يد الطاقات البديلة والتي من ضمنها الطاقة النووية. ولقد تفهمت دول الخليج لهذه الأهمية عندما أعلنت جميعها نيتها البدء في إدخال الطاقة النووية وبدأت بعضها في اتخاذ بعض التدابير العملية في مثل هذا المجال.
وطالما أن المستقبل في يد الطاقة النووية فإن الواجب يدعونا إلى الاستثمار في هذا المجال؛ ولا يأتي الاستثمار في مجال الطاقة النووية مرتبطاً بإنشاء منشآت نووية تحقق لنا كفايتنا من الوقود المطلوب لإنتاج الكهرباء فقط، ولا بإنشاء مدن صديقة للبيئة وحسب وإنما أيضاً من خلال الاستثمار في بناء طاقات بشرية خليجية تكون مؤهلة وصاحبة خبرة في مجال إدارة مثل تلك المنشآت والعمل في حقل تكنولوجيا الطاقة النووية.
هذا هو ما نحتاجه بالفعل في الفترة المقبلة التي ستواجهها دول الخليج العربية. نعم نحن اليوم بحاجة إلى أن نتعاون مع جهات دولية متخصصة ومع دول وشركات عالمية لها الباع الطويل في مجال الطاقة النووية من أجل أن تساعدنا على إقامة مثل تلك المنشآت الخاصة بتوليد الطاقة النووية للأغراض السلمية.
ولكننا نحن أيضاً بحاجة إلى بناء قاعدة خليجية وطنية تعمل في هذا المجال ويكون لديها الإمكانيات للنهوض بالطاقة النووية في دول المنطقة الخليجية. فلا يكفي أن نوقع على اتفاقيات مع دول وشركات أجنبية متخصصة في مجال الطاقة النووية لكي تأتي وتنشئ لنا مثل تلك المنشآت وتقوم بإدارتها بذاتها وتجلب خبراءها وموظفيها معها.
بل نحن بحاجة إلى اتفاقيات من نوع آخر يتم من خلالها نقل المعرفة العلمية النووية للأغراض السلمية من مثل تلك الجهات إلى دول الخليج العربية من خلال العمل على فرض سياسة تدريب الطاقات البشرية الخليجية من قبل مثل تلك الجهات الأجنبية المتخصصة في مجال الطاقة النووية.
وهذا حق من حقوق الدول التي تعمل الشركات الأجنبية على أرضها ومكفول من قبل الممارسات الدولية التي تتم في هذا الإطار بل ومكفول بالمعاهدات الدولية التي تسمح بنقل التكنولوجيا النووية المستخدمة في الأغراض السلمية.
كما أننا يجب أن نبدأ من الآن في إعداد أبناء وبنات دول الخليج العربية في مجال الطاقة النووية من خلال إرسالهم في بعثات علمية لتلقي العلوم في مثل هذا المجال من جامعات ومراكز عالمية متخصصة في مجال علوم وتكنولوجيا الطاقة النووية.
ومن خلال كذلك إنشاء مراكز للتدريب وتطوير الدراسة في مجال الطاقة النووية في دول الخليج العربية ذاتها لتكون رافداً يساعد على دخول خريجي مثل تلك المراكز من أبناء المنطقة الخليجية في المشاريع التي ستقام على أرض دول الخليج في مجالات الطاقة النووية، كما أنه من الضروري الاستفادة من الخبرات الخليجية الموجودة حالياً في هذا المجال.
هذا هو الاستثمار الحقيقي لمستقبل الطاقة البديلة في دول الخليج العربية الذي يجب على دول المنطقة أن لا تبخل عليه بالمال لطالما أنه يمثل مكوناً أساسياً من مكونات المستقبل وبُعدا مهما من أبعاد استراتيجيتها البعيدة المدى.
فالاعتماد الكلي على الأجنبي في إدارة مثل هذا المكون المهم للمستقبل لن ينفعنا في إحداث التطور المطلوب لمجتمعاتنا لفترة المستقبل، فالتوازن مطلوب كي يكون أبناء وبنات هذه المنطقة طرفاً مساهماً في قيادة مستقبل هذه المنطقة وضامناً لبقاء مثل تلك المعرفة فيها.
جامعة الإمارات : binhuwaidin@hotmail.com