أمام هذا الزخم الهائل من الأحداث التي تعصف بالعالم، وتهدد كياناته السياسية والاقتصادية والمالية والاجتماعية والثقافية والديموغرافية والوجودية، والتي تتوالى أحداثها بتسارع لا مثيل له، ولا إمكانية لمتابعة تفاصيله وآثاره على حياتنا اليومية، يتساءل المتابع من أيها يبدأ، وأيها يقدّم، وهي كلها فاعلة ومؤثرة في حياته وأفكاره ومسؤوليته الثقافية والاجتماعية والتاريخية .
فهي بين تتابع الأحداث، وبين بلورة ما يقف في أطرافها من رؤى، ينبثق العديد من التأويلات والتخريجات؛ والتباس المواقف، وسوء الفهم والتغطيات ، بل والتصريحات الجارحة التي تطعن بحصافة أهل الرأي، وإمكانية الكشف عما وراء السطور .
كيف نفسّر هذا التصريح الغريب لوزير الخارجية العراقي، حين يقول « إن مسودة الاتفاق التي تم التوصل إليها بعد شهور من المفاوضات أصبحت نهائية الآن وان القادة السياسيين يراجعونها حاليا . وسيمنح البرلمان العراقي فرصة التصويت إما بقبول أو رفض الاتفاقية لكنه لن يتمكن من احداث تغييرات فيها ».
لاحظوا ( إما بقبول أو رفض الاتفاقية، لكنه لن يتمكن من إحداث تغييرات فيها ) .إذن لماذا يراجعها السياسيون، ولماذا يمنح البرلمان العراقي فرصة التصويت، ماذا سيراجع السياسيون، وعلى ماذا سيصوّت البرلمان؟
كل هذا في ظل ادّعاء ( الشفافية ) التي لا تشف عما يجري لتخطيط حياة المواطن العراقي الذي بات مضغة للقلق والألم وانتظار ما لا يأتي من حاجاته اليومية من وقود وكهرباء وماء صاف وأمان يكفل ممارسة حياته الطبيعية، وذهابه وعودته آمنا إلى أهله .
خمس سنوات والعراقي ينتظر الخلاص من هذه العراقيل التي تشغل حياة الناس، وبينه وبين المسؤولين مسافة تمتد ولا تُختصر، ولا يبدو أن اختصارها هيّن ولا يسير، ما دام لكل طرف منهم برنامج هو غير ما يريده الناس .
وأولو الأمر مشغولون بصيغ التعديلات على الاتفاقية، وقد صرنا نعرف أن مرورها على البرلمان صار من النكات الموجعة من كثرة التصريحات الفارغة التي يدلي بها المسؤولون اليوم لإلغائها غداً؛ وفي التصريحات المتتالية لهوشيار زيباري، وزير الخارجية، نموذج صريح على المواقف المهزوزة التي لا توحي بوحدة الموقف.
ولا بوجود استراتيجية للخروج من هذه المحنة؛ فبعد كل التفاؤل الذي سوّقه لنا زيباري عن الاتفاق مع الأميركان، وقرب التوقيع عليه، وهو تفاؤل أصابنا بالملل، ها هو يقول براحة بال «من غير المرجح أن يقر البرلمان الاتفاقية قبل انتخابات الرئاسة الأميركية في الرابع من نوفمبر المقبل».
سيكون من المحزن أن يظن زيباري أن العراقيين لم يقرأوا الموقف، وأن تصريحه هذا كشف لهم المقنّع، وأفادهم بجديد؛ فقد كان الأمر واضحاً، والمماطلة معروفة، والشد بين طرفي المعادلة لم يعُد خافيا على أحد، وما زالت كرة المواقف تتقاذفها القيادات السياسية الحريصة جدا على عدم انفلات الكرة خارج الملعب، وإبقاء لهفة الجماهير مشبوبة دون أي هدف .
يوم الخميس 23 أكتوبر، تسلمت محافظة بابل ملفها الأمني، وحضر حفل التسليم مستشار الأمن الوطني موفق الربيعي، والرجل الثاني في القوات الأميركية الجنرال لويد اوستن، والمحافظ سالم المسلماوي .
وفي موجة الفرح الطافح في بابل، لعلع صوت كوندوليزا رايس .
مؤكدا « أن القوات العراقية غير قادرة في وضعها الراهن على الدفاع عن أمن البلاد، الأمر الذي يتعين فيه على بغداد القبول بالاتفاقية الأمنية التي تسمح ببقاء القوات الأميركية إلى ما بعد الحادي والثلاثين من ديسمبر المقبل ».
ومع زخم الأحداث في العالم، وزخمها، بالتبعية، في العراق، يحار الناس بهذا الاضطراب في تصريحات المسؤولين الأميركيين، وهم في قمة الهرم، وأرباب العقد والحل، مما يحمل على الاعتقاد بالتباس الموقف الأميركي، وعدم جديته .
ولكن بابل خذلت كوندوليزا رايس بتسلمها ملفها الأمني، ومن المؤمل أن تخذلها (واسط) في نهاية هذا الشهر، فتتسلم ملفها الأمني هي الأخرى؛ وسنرى أين الحقيقة من هذا التخليط الأميركي الذي يناقض بعضه بعضاً في الساعة نفسها .
كاتب عراقي : mohammed_saggar@yahoo.fr