ليس من المبالغة في شيء القول ان التصريحات التي أدلى بها الرئيس الاسرائيلي شيمون بيريز خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده مع الرئيس المصري حسني مبارك في شرم الشيخ هي تصريحات على جانب كبير من الاهمية. ليس فقط بالنسبة لاسرائيل والاحتمالات والتوجهات التي قد تزداد وضوحا في حركتها وسياساتها في المنطقة خلال الفترة القادمة، ولكن ايضا بالنسبة للفلسطينيين والعرب بوجه عام، وبالنسبة لاحتمالات التسوية السلمية مع الفلسطينيين بوجه خاص، ومع سوريا ولبنان ايضا .

واذا كان من المعروف ان التغيرات في المواقف السياسية لا تحدث فجأة، وان كان يتم الاعلان عنها في ظروف مختارة جيدا، فانه من الواضح ان هناك توجها اسرائيليا واضحا وملموسا على الاقل على صعيد قيادات حزبي العمل وكاديما اللذين يشكلان قاعدة الائتلاف الحاكم في اسرائيل، بشأن التمهيد للقبول بالمبادرة العربية التي اعلن القادة العرب عنها منذ قمة بيروت في عام ،2002 والتي ارتكزت على المبادرة السعودية .

ولعل ما يعطي تصريحات بيريز في شرم الشيخ امس الاول أهمية وثقلا، انها جاءت في اعقاب تصريحات أدلى بها كل من ايهود اولمرت رئيس الوزراء الاسرائيلي المستقيل قبل عدة ايام بشأن انتهاء الافكار الاسرائيلية حول فكرة اسرائيل الكبرى، وانه بات من المهم العمل بشكل جاد من اجل تحقيق السلام مع الفلسطينيين على اساس دولتين متجاورتين/ بما في ذلك امكانية تبادل في بعض المناطق الحدودية، واعقب ذلك تصريحات ايهود باراك وزير الدفاع الاسرائيلي وزعيم حزب العمل ورئيس الوزراء الاسبق حول تفكير اسرائيل بشأن المبادرة العربية، ثم جاءت تصريحات بيريز كرئيس لاسرائيل حول القبول بالمبادرة العربية من اجل احلال السلام في المنطقة ككل .

والرئيس الاسرائيلي المخضرم ما كان سيترك الامر لتفسيرات جامحة من هنا او هناك ولذا فانه اكد في الوقت ذاته اهمية تحقيق السلام الشامل، وان الفرصة سانحة الان لتحقيق ذلك، وان روح المبادرة العربية طيبة ولكنه ينبغي التفاوض بشأنها .

في ضوء ذلك فإن اسرائيل تكون قد خطت خطوة هامة على طريق القبول بالمبادرة العربية التي اكد الرئيس المصري حسني مبارك أمام بيريز أنها غير قابلة للتفاوض ، لانها ببساطة تقوم على اساس القبول بالتعايش العربي - من جانب مختلف الدول العربية - مع اسرائيل وبشكل طبيعي ، مقابل الانسحاب من الاراضي العربية التي احتلت عام 1967 واقامة السلام العادل والشامل بمافي ذلك الدولة الفلسطينية المستقلة الى جانب اسرائيل .

ومع الوضع في الاعتبار ان وقتا سيمر بالضرورة بين اطلاق التصريحات وبين بدء ترجمتها على الارض خاصة من جانب اسرائيل - لان الموقف العربي واضح ومحسوم - وان تصريحات بيريز ومن قبله اولمرت وباراك ستتعرض لجدل كبير داخل اسرائيل، وهو ما قد يدفع بالفعل نحو انتخابات اسرائيلية مبكرة ليس بسبب فشل تسيبي ليفني في تشكيل حكومتها التي اعلنت انها قد تكشف عنها غدا الاحد، ولكن بسبب التوجه الاسرائيلي للقبول بالمبادرة العربية للسلام، لان هناك قوى في اسرائيل ستعارض ذلك بالضرورة ويمكن ان تدفع نحو انتخابات مبكرة للوقوف على رأي الشارع الاسرائيلي، ولاسيما ان الشارع الاسرائيلي في هذه المرحلة ليس تواقا للسلام مع العرب، وهو ما عبرت عنه احداث عكا والمسجد الاقصى وغيرها .

على أية حال فان استعداد حزب العمل وحزب كاديما للسلام مع العرب وفي اطار المبادرة العربية، هو تطور مهم لا ينبغي التقليل من قيمته بالنسبة لمسيرة السلام ولا من اثره على الجهود المبذولة سواء بين الفلسطينيين واسرائيل، او حتى بين سوريا واسرائيل والتي تقوم فيها تركيا بدور مهم لم ينته بعد . ولكن لان السلام يمس حياة الشعوب فان الاكثر أهمية هي مصداقية الافعال على الارض وليس مجرد التصريحات .فكيف ستتصرف اسرائيل خلال الفترة القادمة ؟ لننتظر !