في قاموسنا السياسي العربي، الخلاف هو الأساس، والاتفاق هو الاستثناء، وهذه القاعدة العجيبة شاملة من المحيط إلى الخليج، وعندما تعترف الدول بتناقضاتها وتعمل على تسويتها وفق دساتيرها ومبادئ المصلحة الوطنية، لا نجد هذا السلوك يقبل التعميم عربياً.
حتى الذين خاضوا حروباً أهلية، أو مع أعداء غالباً ما تأتي تسوياتهم للمشاكل آنية، أي مجرد هدنة قابلة للانفجار بأي سبب، وعندما نرى الحالة الفلسطينية، ونحاول أن نقتنع بمبدأ تمزق القاعدة الداخلية، وهم الأحوج من كل العرب للوحدة الوطنية، نجد كل فريق يرفع لائحة اتهامه تجاه الآخر، وبتدقيقها نجدها شخصية أو فئوية، والضحية هي القضية وأهلها.
في القاهرة صِيغ مشروعٌ يجمع الفرقاء، وكالعادة جاءت الخلافات واسعة وأحياناً تضيق إذا ما دخل وسيط يعتمد عليه هذا الفصيل، أو ذاك، والاحتمال هو أن الفروض ستأتي من واقع بدأ ينشأ عندما زار بيريز القاهرة، واجتمع إلى الرئيس مبارك في محاولة لإحياء المشروع العربي للسلام.
وهذا التحرك لم يأت من باب سد الذرائع السياسية، وإنما من خلال قراءات دقيقة شعرت إسرائيل أن الحروب، وتكديس السلاح، والتحالف مع أكبر قوة في العالم، سوف يواجهها عامل الزمن الضاغط بوسائله المتعددة، وقد تفضل إسرائيل حلاً شاملاً على الاتفاقات الثنائية، لأن مصلحتها تُرسم من خلال دول المنطقة لا من خارجها.
وهذا الشعور المتأخر، ربما جاء من إهمال تام للاتفاقات السابقة إلا ما رُبطت بحل شامل مثل التوقيع مع مصر والأردن، لكن أن يُبعث هذا المشروع وبما يشبه الاتفاق بين الإسرائيليين فقد يكون السبب المباشر لائتلاف فلسطيني يراعي أن الاتفاق على نتائج واضحة، سوف يجعلهم أمام خيار السير بالقافلة العربية، إذا ما قبلت إسرائيل بالشروط، أو مواجهة الحل من خلال قناعاتهم..
قطعاً إسرائيل تعرف أن هناك متغيراً كونياً يحدث الآن، وصحيح أنها داخل الحزام الأمريكي في السلطة الراهنة، أو القادمة، هي الفائز بالنتيجة، إلا أن الظرف الاقتصادي العالمي، ومؤثراته سيطغيان على الحلول الجزئية، ولابد بالتالي أن يرافق إغلاق الأزمة سدّ الفجوات التي انطلقت منها الحروب والإرهاب وغيرهما، وإسرائيل أكثر حساسية في قراءة هذه المواقف، لأن أميركا لن ترهن سياساتها الخارجية للأساليب القديمة، وهي التي دفعت فواتير الخسائر المادية والمعنوية، وعلى هذا الأساس فإن إغلاق ملف إسرائيل مع العرب يعتبر الجائزة الأكبر لأي سياسي يعيش هذا المشهد ويرعاه، ولذلك كان التحول الإسرائيلي استنتاجاً للقادم، وليس للظرف القائم..
العرب لن تكون لهم حروب شاملة مع إسرائيل، أو غيرها. لأن التجارب مريرة، وعلى إيقاع السلام إذا ما تم وفق تنازلات مرضية، فسوف يفتح آفاقاً جديدة ويُحدث نقلة ليست فقط بين طرفيء النزاع، وإنما ستنعكس آثارها على الدول الإقليمية المحيطة بالمنطقة وخارجها لأن كل الذرائع ستنتهي ليأتي سباق آخر في تحديات العصر ومتطلباته..
