«يوم أصبحت وول ستريت اشتراكية».. هكذا عنونت شهرية «لوموند دبلوماتيك» صفحتها الأولى لشهر أكتوبر، وهي تعلق على قرار الإدارة الأميركية المصدق بعد تردد من قبل الكونغرس، بتطبيق خطة الإنقاذ المالي للبنوك والمؤسسات المالية المنهارة في الولايات المتحدة والبالغ قيمتها 700 مليار دولار.
ومنذ بداية الأزمة، راح جزء غير قليل من ردود الفعل يتساءل عن هذا التدخل الذي يجعل من قلعة الرأسمالية العالمية تستعير إجراءات من قاموس الاشتراكية: «تدخل الدولة». ومضى جزء غير قليل من الكتاب أيضا في نعي الرأسمالية والتبشير بقرب نهايتها، وبعضهم الآخر لم يتردد في الشماتة.
لكن اللافت هو أن أحدا في الولايات المتحدة أو الدول الغربية لم يرفع صوته ضد هذا «التدبير الاشتراكي»، الذي بادرت إليه أكثر الإدارات الأميركية يمينية وأكثرها إخلاصا لمبادئ الأسواق الحرة. لم تكن هناك انتقادات عالية أو صاخبة لهذا التدبير.
أما على الضفة الأيديولوجية، فقد رأى كثيرون في الأزمة وخطة الإنقاذ التي تلتها، بداية النهاية للرأسمالية ولنظرية «نهاية التاريخ» وطعنا في صوابيتها ورؤيتها، رغم إصرار فرانسيس فوكوياما حتى الآن على صواب نظريته.
أيا كان الأمر، فالتبعات ستبقى مستمرة، لكن من المؤكد أن الثمن السياسي والأيديولوجي كان باهظا على الولايات المتحدة، وفي احد أوجهها فان الأزمة والتدابير التي لجأت إليها الإدارة الأميركية لمواجهتها، تحمل في احد وجوهها «إذلالا» لا يمكن الإشاحة عنه.
لكن هل في الأزمة المالية إذلال حقا؟ لقد أنعشت هذه الأزمة بكل تداعياتها حتى الآن ذاكرتنا بأزمات أخرى مشابهة، مثل انهيار أسهم شركات التكنولوجيا (مؤشر ناسداك) عام 2000، وأزمة وول ستريت عام 1987، بل وحتى أزمة النمور الآسيوية عام 1997.
لكن لماذا هذه الأزمة من دون غيرها هي التي دفعت الكثيرين للحديث عن بعد أيديولوجي وسياسي ودفعت البعض لإطلاق نبوءات مثل نهاية الرأسمالية؟ إذا كانت مشاعر الشماتة لدى أعداء أميركا هي التي ستقترح علينا ذلك، فان هذا سيعيدنا دون ريب إلى العام 1989 والعام 1990. هل تتذكرون؟ انهيار سور برلين في 1989 وانهيار الاتحاد السوفييتي عام 1990.
لقد بلغت الشماتة أوجها في ذلك الوقت، وداعب ذلك الانهيار مخيلة فوكوياما فخرج بنظريته عن «نهاية التاريخ»، وليس هناك من بإمكانه أن يعيد بعض الاعتبار للمفاهيم الاشتراكية سوى هذه الأزمة. لكن هل يصح هذا الاستنتاج؟
عدا العوامل الظاهرة لهذه الأزمة، أعتقد أن هناك عوامل عدة إضافية لم تطرق كثيرا، ساعدت على نشوء هذه الأزمة. ثمة من ينحو باللائمة على سوء استخدام شبكة الانترنت وغياب الرقابة الحكومية عن سوق تداول هائل على الشبكة.
والمسألة ليست مزحة بل إن التحليل يدخل في صميم عملية واسعة وضخمة تتعلق بالمعلومات والثقة والقروض العقارية وغيرها، أي تلك التي يطلق عليها محلل مثل بول كيدروسكي جملة من «المشتقات المالية». (أول كارثة في عصر الانترنت ـ مجلة نيوزويك 28 أكتوبر).
لكن رغم هذا الفارق، فإنني أعتقد أن أزمة الكساد الكبير عام 1929 عندما رفضت السلطات التدخل لمعالجة الأزمة إخلاصا لقوانين السوق وهذه الأزمة (الحالية)، تمثلان ذروتين للنظام الرأسمالي. في كلتا الأزمتين بدأ الانهيار من سوق الأوراق المالية، والسبب كان تضخما غير طبيعي في الأسعار.
في المقابل، فان انهيار سور برلين وما تلاه من انهيار الأنظمة الاشتراكية، شكل أيضا ذروة تاريخية للأفكار الاشتراكية مثلما تم تطبيقها في روسيا وبلدان الكتلة الشرقية سابقا. لكن هل يمكن أن يقود هذا إلى الإلغاء الكلي إلى حد الشطب لحسنات أي من النظامين؟
إذا كانت قيم الحرية هي جوهرة الفكر الرأسمالي، فان العدالة الاجتماعية هي مأثرة الفكر الاشتراكي بدون جدال. ولست هنا بصدد مناظرة ايديولوجية بقدر ما تستوقفني تلك الطبيعة الميالة إلى وضع الأمور دوما في خانتين «إما ابيض وإما أسود».
وسوء التطبيق أو فجاجته أو التجاوزات التي يمكن أن توجه لكامل الأنظمة الاشتراكية السابقة، هي نفسها التي يمكن توجيهها دون مشقة للأنظمة الرأسمالية أيضا، فلم يثبت حتى اليوم أن نظاما غربيا رأسماليا واحدا أشاح بوجهه عن الأرباح مقابل مبادئ الحرية وحقوق الإنسان، فهذه الأنظمة مستعدة لبلع انتقاداتها أمام إغراء الأسواق والمصالح التجارية.
الواقع، أن الذاكرة تبدو دوما قصيرة مع عقلية «الأسود والأبيض» هذه. ففي ذروة الحرب الباردة وذروة الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية، كانت هناك نماذج أخرى ترسخ نفسها بقوة وتملك الكثير من عناصر الجذب، هي أفكار الديمقراطيين الاجتماعيين سُكيفٌ مٍُكْفَُّّ..
لقد نجح هؤلاء بشكل باهر في بلد مثل السويد، لكن في ظل رئيس وزراء استثنائي تماما هو «أولف بالمه». إن عهده يختزل بأقل العبارات الدالة، وهي أن العامل كان يملك سيارتين على الأقل. أما الدول الاشتراكية السابقة، التي باشر غالبيتها عملية دخول الاتحاد الأوروبي، فلم تحظ بعد بسجل أرقام باهرة للنمو الاقتصادي، لكن سجلها في التنمية الاجتماعية جيد ولا شك.
لست أرى في هذه الأزمة مناسبة للسجال الأيديولوجي، فلا الرأسمالية ستنتهي في بضع سنوات، ولا الاشتراكية على الأبواب. لكنني أراها إنذارا قويا للتوقف والتفكير بالنسبة للدول العربية التي بقيت مأخوذة طيلة العقود الماضية وحتى اليوم بكل تقليعات «وول ستريت»، وتقليعات تلك الأسماء الرنانة التي ظلت تشغل وقتنا وباتت اليوم موضع الاتهام فيما ذهبت إليه من نظريات اقتصادية وتدابير.
اقرأوا مقال فريد زكريا المعنون «إن بعد العسر يسرا» في نيوزويك بتاريخ 21 أكتوبر 2008، كي تدركوا أن اسما لامعا مثل ألن غرينسبان رئيس الاحتياط الفيدرالي الأميركي السابق الذي كان في وقته موضع تقدير، أصبح اليوم في نظر الكثيرين أحد المتهمين بالتسبب في الأزمة الحالية.
كاتب وصحافي بحريني : m.alobaidley@gmail.com
