على العرب أن يتساءلوا اليوم قبل الغد، ما هي الانعكاسات المتوقعة للأزمة الاقتصادية الأميركية العظمى على العالم العربي؟ وهل هي انعكاسات اقتصادية فحسب أم هي أيضا سياسية؟
هناك تأثيرات سالبة بدأت بالفعل كمقدمة لما سوف يأتي بعدها من تداعيات. وفي هذا الصدد تبرز بالتحديد ظاهرتان: الهبوط الكبير والمنتظم في أسعار صرف الدولار الأميركي والانخفاض المتواتر في السعر العالمي للنفط الخام.
وبينما يؤثر انزلاق سعر النفط بصورة رئيسية على الدول العربية النفطية فإن تدهور قيمة الدولار باعتباره عملة التبادل التجاري العالمي ـ يؤثر بالسلب على كافة الدول العربية دون استثناء، هذا ما نراه بالفعل على مدى الشهور العديد الأخيرة في أسواق الاستهلاك العربية من غلاء متصاعد في أسعار السلع الاستهلاكية المستوردة فالمستوردون يضطرون إلى دفع المزيد من الدولارات لشراء نفس السلعة التي اشتروها بالأمس.
لكن المصيبة لن تتوقف عند هذا الحد. فالأزمة المالية الأميركية تتحول إلى حالة ركود اقتصادي.. والركود سيتحول في وقت قريب إلى حالة كساد تقعد بالقطاع الانتاجي الأميركي. وبالتالي يتوالى هبوط الطلب الأميركي على النفط المستورد. فيتوالى الانخفاض في سعر النفط العالمي.
ومن ثم استمرار التدهور في قيمة الدولار، لن يكون متاحاً للدول العربية النفطية أن تتحكم في هبوط الطلب الأميركي على النفط.. لكن بوسعها، ومعها الدول العربية الأخرى جميعاً أن تتخذ إجراءات حيال ظاهرة التدهور الدولاري، فبإمكانها أن تبتدر تحركاً مع دول العالم الأخرى يستهدف استبدال الدولار كعملة للتجارة العالمية بعملة أخرى (اليورو مثلاً) أو سلة عملات.
خلال السنوات القلائل المقبلة سوف ينكمش النفوذ الاستراتيجي الأميركي في ساحة الصراع الدولي لأن الإدارة الأميركية المقبلة ستكون منشغلة بالتعامل مع التداعيات الخطيرة للأزمة الاقتصادية في الداخل الأميركي (كارتفاع معدلات البطالة وانتشارها).
وبسبب الانكفاء الأميركي المرتقب نحو الداخل سوف ينشأ فراغ قوة في الساحة الدولية تندفع كل من روسيا والصين إلى ملئه. هكذا أصبحت الساحة الدولية موعودة بتغيير جذري يفتح أمام العرب فرصة تاريخية لاستثمار واقع دولي جديد.