ان يذهب الرئيس الاسرائيلي شمعون بيريس الى شرم الشيخ للاعلان عن قبول اسرائيل بالمبادرة العربية للسلام واستعدادها للتفاوض مع العرب جميعا حولها، فهذا تطور يخفي توجها اسرائيليا جديدا، وغير مسبوق، يحتاج الى الكثير من التأمل لمعرفة اسبابه ودوافعه.

فاسرائيل رفضت المبادرة العربية فور صدورها عن قمة بيروت في شهر آذار (مارس) عام الفين، وذهبت الى ما هو ابعد من ذلك عندما ارسلت دباباتها لاحتلال الضفة الغربية بالكامل ومحاصرة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في مقر المقاطعة في رام الله.

فلا بد ان هناك عوامل جديدة أملت عليها نفض الغبار عن هذه المبادرة بعد كل هذه السنوات، وايفاد بيريس الذي يرتبط بعلاقات صداقة خاصة مع الرئيس مبارك للبحث في احيائها مرة اخرى، واطلاق جولات مفاوضات جديدة بين العرب والاسرائيليين.

ليس من الصعب التكهن بالعوامل الكامنة خلف هذا التحرك الاسرائيلي المفاجئ نحو العرب، فالعالم الغربي، الداعم الاساسي لاسرائيل مشغول حاليا بهمومه الداخلية الخاصة العائدة الى الانهيارات الاقتصادية والمالية، والهزائم المتفاقمة في العراق وافغانستان وظهور قوى عالمية جديدة (الصين والهند وروسيا والبرازيل) تهدد بانهاء الهيمنة الغربية على مقدرات العالم.

القيادة الاسرائيلية باتت تدرك، انه في ظل الاخطار الاستراتيجية التي تواجهها حاليا، والمتمثلة في تنامي القوة الاقليمية الايرانية، وتطوير قدرات 'حزب الله' الصاروخية على الحدود الشمالية، بات من المحتم عليها ان تحاول ايجاد ارضية مشتركة للتحالف مع 'عرب الاعتدال' الذين يبدون قلقا مماثلا تجاه هاتين القوتين.

فالعداء لايران ومحورها بات يشكل هذه الارضية، وهناك من يتحدث في العلن عن ضرورة قيام جبهة اسرائيلية عربية مشتركة في مواجهة 'محور الشر' الايراني ـ السوري. اللافت ان اسرائيل التي هي في حاجة ماسة الى هذا التحالف لفتح ثغرة كبرى في الجدار العربي الرسمي، ما زالت تتمسك بعقلية المساومة، ومحاولة انتزاع اكبر قدر ممكن من التنازلات المجانية من العرب حتى قبل ان تبدأ المفاوضات.

فشمعون بيريس ذهب الى القاهرة طلبا لوساطة الرئيس مبارك لدى اصدقائه في محور الاعتدال العربي من اجل التفاوض حول تعديل مبادرة السلام العربية، وحذف الشق المتعلق بعودة اللاجئين الفلسطينيين الذي ادخلته سورية على النص الاصلي السعودي للمبادرة اثناء قمة بيروت وقبل الباسها الثوب العربي.

الرئيس مبارك رفض هذا الالتفاف الاسرائيلي، مثلما شاهدنا في مؤتمره الصحافي المشترك الذي عقده مع بيريس، وقال ان هذه المبادرة ليست موضع التفاوض، أي ان اسرائيل مطالبة بقبولها كاملة دون أي تعديل.

من الواضح ان الرئيس مبارك كان جاداً في هذا الموقف، لانه يدرك جيداً ان أي تنازلات حول بنود المبادرة ستؤدي إلى غضب شعبي عربي شامل، خاصة ان أصغر طفل عربي يدرك جيداً ان اسرائيل تريد التفاوض للتطبيع مع الدول العربية التي لم تقم أي اتصالات رسمية معها حتى الآن، والمقصود هنا المملكة العربية السعودية صاحبة هذه المبادرة والكويت وليبيا واليمن.

الرئيس مبارك اتهم الاسرائيليين بإفشال المفاوضات مع الفلسطينيين، وهذا تطور جديد، ولكن المهم هو الصمود على هذا الموقف، وعدم التراجع عنه، والوقوع في المصيدة الاسرائيلية مرة أخرى. فالاسرائيليون بارعون في المناورة، ولا يتقدمون نحو العرب إلا لخداعهم والحصول على تنازلات مجانية دون مقابل.

التحالف مع اسرائيل ضد ايران يجب أن يكون الخط الأحمر، لأن هذا يعني تحويل الحرب إلى الملعب الاسلامي، واعطاء شرعية لاسرائيل واحتلالها للأراضي والمقدسات العربية لعقود وربما لقرون قادمة.