ربما لم تشهد المملكة حجم متهمين بالإرهاب أحيلوا للمحكمة الشرعية بمثل هذا العدد الضخم، لكن المهمة لا تقتصر على مضمون الجنايات فقط، بل محاكمة سلوكٍ وثقافة قادا إلى التطرف من خلال أعمدة فكرية، وداعمين بالمال والمواقف، برؤية خارج الواقع والتاريخ، ولعلها محاكمة ظرف زمني من خلال رحلات المتغير العربي، والإسلامي، حين جاءت القومية بشعاراتها، وتزامنت معها الماركسية، والاشتراكية العربية، وبتتالي خيبات الأمل، جاء من حاول أن يملأ الفراغ بتطرف جديد يلبس ثوب المفتي والمجاهد، بذريعة الإسلام الذي لا تتوافق أحكامه ومعانيه مع جعل الدم مهراً للتطهير والنبذ، وهي مسألة جرت فيها بحوث ولقاءات وأفكار على مستوى العالم كله، لكن ما كان مؤذياً أن توضع أعظم ديانة سماوية قيد التداول السلبي، والاتهام الباطل، بما عرّض نبي هذه الأمة لأسوأ الأوصاف والدعايات الحاقدة..

الوعي العام انفتحت له أبواب كثيرة ومتميزة، فبدلاً من رؤية الشرطي، ورجل المباحث والاستخبارات في صورتهما التقليدية واللذين اعتقد المواطن أنهما عيون تتسرب إلى مسامه تريد تقديمه للسجن، وهي عدوى انتقلت إلينا من الانقلابيين وزوار الفجر الذين بنوا ومارسوا أكبر مذابح وسجون في تاريخ تلك الحكومات، جاء التطور معاكساً أي أن رجال الأمن بكافة اختصاصاتهم ومهامهم هم حراسنا والقائمون على حمايتنا، وقد أثبتت الأيام أن دروع هذا الوطن في رحلة الإرهاب الكبرى، جاءوا بنتائج لم يكن أحسن المتفائلين ليعتقد بنجاحها، ولعل وزارة الداخلية والأجهزة التابعة لها أو المنسقة معها، أعطت دليلاً أن إمكانات بلدنا الأمنية فاقت دولاً متقدمة علينا بالتقنية والتجارب، والحصيلة أن الشهادة بنجاحنا جاءت من تلك الدول وأجهزتها..

سنواجه من خلال هذه المحاكمات أصدقاء يفهمون قيمة القضاء لدينا ويباركون فعلنا وخطواتنا، في حين سيظهر معارضون تحت مفاهيم مثالية، ولكنها لا تتطابق مع الواقع، أي أن الجاني يخضع لشرع إسلامي يوازن بين الحقوق، والواجبات من خلال مفهوم لا يقبل الجدليات التي لا تدرك معنى قيمنا الإسلامية..

إحالة الجناة للقضاء خيارٌ رائد، وكشفٌ للملابسات والأحداث التي بدأت مع أول معتقل، وإلى آخر متهم جديد، والفرضية هنا أن هذا الكم الذي حاول أن يضع أجهزتنا وشعبنا في حالة استنفار ورعب ودمار شامل، وجد أنه يدخل حصاراً مضاداً، وكفاءة رجال غيّروا مسار المهاجمين والبادئين بالعنف إلى داخل قفص الدولة وكفاءاتها، والسبب أن المواجهة لم تكن أمام أهداف واضحة بل أمام أشباح تتسلل في الظلام، وهذا ما يجعل المهمة صعبة، لكن قراءة المساحات التي يتحرك بها الإرهابيون، ورصد مقارهم وتخابرهم وأدعية المفتين والمتسترين، وضعت أجهزة الدولة أمام تحديات فازت بها في النهاية من خلال تخطيط واعٍ ومركّز، وجاءت العمليات بمهنية دقيقة استطاعت أن تصل إلى هذه الأعداد الهائلة في وقت قياسي. والآن ونحن بالمراحل المتقدمة بالسيطرة على هذه الفئات وتقديمها للحكم الشرعي، نجد أننا سنواصل العمل وقهر الجريمة بمختلف أشكالها، وكل حاضنيها ومروّجيها..