قصة «جو السباك» التي هيمنت على المناظرة الثالثة والأخيرة بين جون ماكين وباراك أوباما ذات دلالات مهمة لأنها تجسد بوضوح مضمون حملة المرشح الجمهوري جون ماكين وتعبر في الوقت ذاته عن المأزق الذي يواجهه.
ففي إحدى جولات باراك أوباما الانتخابية في ولاية أوهايو، نقلت العدسات التي ترافق المرشح الديمقراطي حديثا دار بينه وبين مواطن قدم نفسه باسم جو وقال انه يعمل سباكا ويرغب في شراء شركة السباكة التي يعمل بها، ثم تساءل عما إذا كان برنامج أوباما الاقتصادي سيكون من شأنه فرض المزيد من الضرائب عليه.
وقد تلقف اليمين الجمهوري ذلك الحوار الذي صار من يومها مادة رئيسية لمواقع اليمين على شبكة المعلومات باعتباره شهادة من أحد أبناء الطبقة العاملة ضد أوباما. ثم جاء موعد المناظرة التلفزيونية الثالثة فما كان من ماكين إلا أن استخدم «جو السباك» ليكيل الاتهامات إلى برنامج أوباما الاقتصادي باعتباره يقوض «الحلم الأميركي» لدى الملايين ممن يرغبون في الحراك الاجتماعي عبر العمل الشاق.
وقد اضطر أوباما في المناظرة إلى أن ينظر للكاميرا ويوجه خطابه إلى «جو» بالاسم، وهو ما فعله ماكين أيضا فتحول «جو» إلى نجم بين ليلة وضحاها. وبمجرد انتهاء المناظرة راح الإعلام يبحث عن «جو» لإجراء حوارات معه!
لكن الأضواء الإعلامية جاءت لحملة ماكين بما لا تشتهيه السفن. فقد أسفر تسليط الأضواء على «جو» عن الكشف عن أمور لم تكن في حسبان حملة ماكين. فقد تبين أن الرجل الذي قدموه كنموذج للمواطن الكادح الذي تؤدي الحكومة بضرائبها لإفقاره هو في الحقيقة متهرب من دفع مبلغ يزيد على الألف دولار للضرائب وأن ولاية أوهايو أفلحت أخيرا في الوصول إليه بفضل الضجة الإعلامية التي ذكر فيها اسمه بالكامل.
ثم تبين أن الرجل يعمل أيضا دون رخصة قانونية. بل فوق هذا وذاك، ثبت من بيانات دخل الرجل أنه لن يدفع دولارا واحدا للضرائب إذا ما تم تطبيق خطة أوباما الاقتصادية التي لا تستهدف بالضرائب سوى الشريحة الأكثر ثراء!
ولو كنت مكان جون ماكين لقمت فورا بطرد المستشارين المسؤولين عن استخدام قصة «جو» في المناظرة! فكل المعلومات التي تكشفت تباعا توضح أن أولئك المستشارين، الذين يتقاضون بالمناسبة أموالا طائلة نظير خدماتهم.. ورطوا مرشحهم حين نصحوه باستخدام القصة دون أن يقوموا بما يكفي من البحث والتقصي.
لكن الأهم من ذلك في الواقع هو أن قصة «جو السباك» هى إحدى تجليات استراتيجية حملة ماكين التي تقوم على «تغيير الموضوع». ففي أوج حملة انتخابية تدور وقائعها وسط سخط شعب إزاء الكوارث المتتابعة التي ألمت بالبلاد بموجب سياسات بوش، من الاقتصاد للسياسة الخارجية، يعاني ماكين مأزقا حقيقيا لأن السياسات التي يقدمها لا تختلف عن سياسات بوش.
ومن ثم فإن التركيز على القضايا يضر بماكين. لذلك لا تريد حملته لهذه الانتخابات أن تحسم على أساس القضايا وتسعى لجعلها استفتاء حول «شخصية كل مرشح» وما إذا كان من الممكن الثقة به. ولأن الأولوية هي لإثارة شكوك الناخبين في أوباما فقد جاء طرح قصة «جو السباك» في هذا السياق وكانت النية أن يتم في شكل بالغ التبسيط إثارة قلق المواطنين من أوباما.
والمفارقة هنا هي أن هناك الملايين من السباكين الحقيقيين في أميركا الذين لا يعبر عنهم بحال لا «جو» السباك ولا جون ماكين. فهم يدفعون الضرائب بانتظام ويعملون وفق تراخيص قانونية. وقد تأثر هؤلاء سلبا بالوضع الاقتصادي الحالي وصاروا مع غيرهم بمثابة النواة لحركة تنمو بين العمال ترفض الإنقاذ الحكومي للشركات المالية إلا إذا تزامن مع عمل حقيقي ملموس لإنقاذ المواطن العادي، أي استثمار حكومي في الاقتصاد الحقيقي.
لكن جون ماكين لم يذكر هؤلاء طوال المناظرة إلا منتقدا حين تحدث عن بوادر «حرب طبقية»، وهو ما قصد به بالضبط تلك الحركة الجديدة. وبرنامج ماكين الاقتصادي لا يقدم لهؤلاء شيئا. فهو يدعو لتجميد شامل للإنفاق الحكومي للخروج من الأزمة الحالية، وهو ما يعني أن يظل كل أبناء الطبقة العاملة بلا دعم حقيقي في تلك الظروف الاقتصادية العصيبة خصوصا إذا ما فقد أحدهم وظيفته ضمن الآلاف الذين يتم تسريحهم.
لكن كل ذلك لا يعني أن محاولات حملة ماكين في اجتذاب أبناء هذه الطبقة محكوم عليها يقينا بالفشل. فما فعلته حملة ماكين بقصة «جو السباك» هو في الواقع استراتيجية معروفة استخدمها الجمهوريون منذ السبعينات بنجاح في أغلب الأحيان.
فجو السباك رمز للذكور البيض من الطبقة العاملة وهو قطاع طالما نجح الجمهوريون في إقناعه بأن الحزب الديمقراطي خطر على مصالحه لأنه ذهب بعيدا نحو دعم الأقليات على حسابهم. وهي استراتيجية طالما استخدمت لغة شفرية تلعب على النعرات العرقية والإثنية واتهام الديمقراطيين بالسعي لانقلاب «اشتراكي».
ومن هنا يأتي إصرار حملة ماكين على استخدام المسألة العرقية ضد أوباما رغم التحذيرات المستمرة من خطورتها. وخطورة ما يفعله الجمهوريون هذه المرة هو استخدامهم لمجموعة من الكلمات بالتبادل وكأنها تعني الشيء نفسه.
فعلى سبيل المثال، استخدمت ميشيل باكمان عضو مجلس النواب الجمهورية في لقاء تلفزيوني كلمات مثل «ليبرالي ويساري ومعادي لأميركا ومتطرف» بالتبادل وكأنها تعني الشيء نفسه، الأمر الذي يمثل نوعا من التحريض الضمني على أوباما. فما الذي تتوقعه سارة بيلين حين تقول ان أوباما «يصادق الإرهابيين» سوى أن يهتف الجمهور «خائن.. اقتلوه»؟!
ورغم خطورة تلك الاستراتيجية وفجاجتها، إلا أنها ليست جديدة في انتخابات الرئاسة، ومن هنا فإن السؤال الأهم يتعلق بكل «جو» في أميركا. فهل يمكن إقناعه هذه المرة بأن تلك الأمور أهم من الأزمة المركبة التي تعيشها بلاده؟
كاتبة مصرية :manarmes@yahoo.com
