أعربت موسكو عدة مرات عن قلقها وربما استيائها من تجاهل واشنطن لمصالحها، وعدم اهتمام البيت الأبيض الأميركي باتخاذ إجراءات جدية لإزالة القلق الروسي إزاء منظومة الدرع الصاروخية التي تريد الولايات المتحدة نشر عناصرها في الأراضي البولندية والتشيكية.
خاصة أن المسؤولين الأميركيين يؤكدون أن هذه المنظومة تهدف إلى حماية أوروبا وأميركا من صواريخ يمكن أن تطلقها إيران أو كوريا الشمالية. فيما يعتقد الكرملين أن المنظومة الصاروخية الأميركية تشكل خطرا على أمنها.
وكان من البديهي أن تبدأ القيادة العسكرية الروسية في تنفيذ خطط جديدة لمواجهة مخاطر هذه الدرع، ما دفع لتخصيص جزء كبير من الاعتمادات العسكرية لإقامة رادار جديد في منطقة كالينينغراد في غرب روسيا، تبلغ تكلفته حوالي مئتي مليون دولار، وإنشاء مركز لتدريب الطيارين الذين يحلقون على طائرات تنطلق من السفن في إقليم كراسنودار. ما يعني أن القيادة العسكرية قد وضعت خططا لتعزيز الأسطول الروسي بحاملات طائرات.
كما نفذت القوات الاستراتيجية مشروعا تدريبيا باسم «مناورة استقرار 2008»، ومنها الصاروخ العابر للقارات «سينيفا» الذي وصل إلى خط الاستواء في المحيط الهادئ بعدما قطع مسافة تزيد على 11500 كيلومتر، وتضمنت فعاليات مناورة «استقرار 2008» قيام القوات الروسية باستخدام السلاح النووي بعد أن تفشل في إيقاف عدو مهاجم كحلف شمال الأطلسي بمساعدة الأسلحة التقليدية.
ومما لاشك فيه أن كل هذه الخطوات تأتي في اطار خطة روسيا لمواجهة الدرع الصاروخية الأميركية، باعتبار ان الصواريخ المطورة من نوع «سينيفا» تمكن القوات الروسية من توجيه ضربات للولايات المتحدة بإطلاق صواريخ من موقع لا تراه وسائل الدفاع الأميركية بسبب بعده عن سواحل الولايات المتحدة.
إلا ان هذه الخطوات لا تشكل حلا جذريا لأزمة الدرع الصاروخية، وإنما توفر الأدوات لإيجاد توازن عسكري يحقق مبدأ الردع المتبادل، في نفس الوقت الذي يجر روسيا لسباق تسلح يشكل عبئاً على اقتصادها الوطني.
وما يمكن اعتباره حلا جادا لهذه الأزمة يتمثل في رفض دول أوروبا الشرقية للمشروع الأميركي، وهو ما يصعب تحقيقه، بسبب الإغراءات الأميركية لحكومات هذه الدول، والتي أصبحت تسير في الفلك الأميركي وتنفذ مصالح واشنطن، حتى داخل الاتحاد الأوروبي. ولكن هذه السياسة التي تتبعها حكومات دول شرق أوروبا ليست قدرا محتوما.
وقد كشف انتصار قوى اليسار في انتخابات الأقاليم في جمهورية تشيكيا عن أن الحكومة كانت مضطرة للرضوخ لمطالب المعارضة وأغلبية قطاعات الشارع بعدما زجت البلاد في مواجهات دولية، حيث أعلن رئيس الحكومة التشيكية ميريك توبولانيك موافقة بلاده على قيام العسكريين الروس بزيارات دورية إلى منشآت تابعة لمنظومة الدرع الصاروخية الأميركية في الأراضي التشيكية، وذلك بعد أن كان يرفض مناقشة السماح للقيادة العسكرية الروسية بدخول أراضي بلاده.
وبالرغم من أن روسيا لا تعتبر قيام القيادة العسكرية بزيارات دورية لمواقع الدرع الصاروخية في الأراضي التشيكية والبولندية سيزيل قلقها بشأن هذا المشروع الذي يستهدف روسيا ولا يهدف إلى محاصرة ما يسميه الأميركان بالخطر الصاروخي الإيراني.
كما أنها لا تنوي بالتأكيد توجيه ضربات صاروخية لمواقع الدرع الأميركية على أراضي كل من تشكيا وبولندا كما أعلن نائب رئيس الوزراء الروسي سيرغي ايفانوف. لذا لابد من مواجهة هذه الأزمة بأساليب مباشرة تتعامل مع إرادة الناخبين في هذه البلدان، والذين لا يريدون التورط في صراعات وصدامات دولية تهدد أمن بلادهم، بدون طائل.
إن نصب الصواريخ الاعتراضية الأميركية والرادار الأميركي على الأراضي البولندية والتشيكية سيؤدي بالتأكيد إلى إفساد علاقات بولندا وتشيكيا مع روسيا، وسيتسبب في أضرار اقتصادية للبلدين، ولن تنقذهم المعونة الأميركية ـ ان وجدت ـ من ذلك، بل ستؤدي لتعميق أزماتهم الاقتصادية.
كاتبة روسية : jannamarat@km. ru