على خلفية الأزمة المالية المتفاقمة وتداعياتها المتصاعدة لم يعد السؤال الكبير المصيري الآن عما إذا كان الفوز بمنصب رئيس الولايات المتحدة سيكون من نصيب «الديمقراطي» باراك أوباما أم «الجمهوري» جون ماكين وإنما هو عما إذا كانت الولايات المتحدة الأميركية سوف تبقى القوة القاهرة العظمى التي ترهب العالم بأسره وتفرض أجندتها الذاتية عليه.

نسميها أزمة «مالية» تنحصر في بنوك وبورصات أسهم من حيث ظاهرها لكنها في حقيقة الأمر أزمة هيكلية جذرية تتهدد بنية الاقتصاد الوطني الأميركي في الصميم.. بما سيؤدي إلى شبه شلل من المحتم أن ينعكس سلباً على القدرة الدولية الاستراتيجية التي ظلت الولايات المتحدة تتمتع بها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

هذا هو التحدي الأعظم الذي سوف يواجه الرئيس الأميركي المقبل سواء كان أوباما أو ماكين. هناك عنصران رئيسيان للمحنة الاقتصادية الأميركية برزا بشدة إلى دائرة الضوء فور تفجر الأزمة المالية بشكلها الدراماتيكي، عجز متصاعد وغير مسبوق في الميزانية العامة الفيدرالية.. وعجز اسطوري مماثل في ميزان التبادل التجاري الأميركي مع الخارج.

عجز الميزانية تجاوز حتى الآن 400 مليار دولار بينما تجاوز عجز الميزان التجاري 850 مليار دولار. وكلاهما مرشح للتصاعد بإيقاع أسرع، ماذا يعني ذلك؟ عجز الميزانية نشأ وتضخم بسبب الإنفاق العسكري بلا حساب على الحروب الأميركية الخارجية حتى انتقل من دائرة مئات المليارات إلى دائرة التريليونات.

وبما أن الرئيس الأميركي المقبل ـ أياً يكون ـ مطالب بالعمل الجاد على كبح جماح هذا العجز، فإن هذا يعني أن الولايات المتحدة ستكون عاجزة عن مواصلة تأديب العالم بشن حروب باهظة التكلفة.. وربما لا تكون قادرة على مواصلة الحربين المشتعلتين في العراق وأفغانستان.

من ناحية ثانية يعني العجز الأسطوري أن أياً من مرشحي الرئاسة لن يكون قادراً على الوفاء بوعود انتخابية كبرى إذا حظي بالمنصب الرئاسي. أوباما لن يستطيع انجاز وعده لذوي الدخول المحدودة بتوسيع نظام التأمين الصحي لأن ذلك سيؤدي إلى زيادة عجز الميزانية. وماكين لن يستطيع خفض الضرائب على الشركات ورجال الأعمال لأن ذلك سيؤدي إلى تقليص إيرادات الميزانية.. وبالتالي إلى زيادة العجز القائم.

العجز في الميزان التجاري يعني أن الولايات المتحدة صارت رهينة الاستيراد من دول أخرى في مقدمتها الصين بسبب أن قطاع الإنتاج السلعي الأميركي يتضاءل. وهكذا أصبحت أميركا دولة مدينة تجارياً. وتقدر هذه المديونية الآن بنحو 11 تريليون دولار ومعظمها لصالح الصين.وصفوة القول إن أميركا ستكون في عهد أي رئيس مقبل دولة كسيحة اقتصادياً مما سيؤدي إلى تقليص قدرتها الدولية عسكرياً وسياسياً

opinion@albayan.ae