أن يطول ويتأزم الجدل بين واشنطن وبغداد، حول «الاتفاقية الأمنية»؛ أمر مفهوم. تنظيم علاقة مع احتلال، بكل ما تنطوي عليه وتثيره من حساسيات ومحاذير؛ يفترض ذلك. علاقة، بطبيعتها ملغومة. وقد تصل الأمور، عند نقطة معينة، إلى حدود التراشق بالاتهامات؛ حول التعثّر والتعقيد، أو التأخير.
لكن أن تصل العملية إلى الحدّ الذي يستخدم فيه المحتل لغة التهديد؛ عندئذ تخرج العملية عن حدود التفاوض والاتفاق، لتتحوّل إلى محاولة إملاء وفرض بالقوة. تصبح المفاوضات وسيلة للابتزاز والإكراه. الجانب الأميركي، يزعم أن المفاوضات طال أمدها، وبأن الوقت بات ضاغطاً. في أواخر العام تنتهي «فترة التفويض الدولي للقوات المتعددة الجنسية». وبالتالي لم يعد هناك متسع للتأجيل.
الأمر الذي يتطلب إسراع العراق، في التوقيع على الاتفاقية. تحت هذه الذرائع، راحت واشنطن تبدي تأففها، في البداية، من الملاحظات والتحفظات، التي أبدتها أطراف عراقية، حول بعض بنود مسوّدة الاتفاقية. ومع توالي المطالبات بإجراء التعديلات؛ أخذت ترفع من نبرة لغتها الرافضة، لتتحول إلى التلويح بتهديدات.
ولو مبطنة؛ كان أكثرها فجاجة ما صدر عن الأدميرال مايكل مولن، رئيس هيئة أركان القوات الأميركية؛ الذي تحدث عن عواقب «وخيمة» لو واصلت بغداد عدم قبولها بالمسودة. كما صدر كلام من هذا الصنف، عن وزير الدفاع، روبرت غيتس، الذي نسب إليه قوله: إذا أرادوا التغيير في هذه المرحلة؛ فعليهم «إزالة حاجز مرتفع جدّاً أمامهم».
تلويح واضح بورقة القوة، رافقته تسريبات وشائعات، حول ما يمكن أن تلجأ إليه قوات الاحتلال من ردود فعل عقابية؛ في حال تعثّر تمرير الاتفاقية، مع موافقة واشنطن على «تعديلات طفيفة جدّاً»، عليها. أوساط عراقية حكومية، أعربت عن استيائها ورأت أن هذه التصريحات «ليست موضع ترحيب»؛ وانه «من غير المناسب مخاطبة العراقيين بهذه الطريقة».
وفي سياق الدفاع عن المسودة، تعزو واشنطن أمر التعديلات، إلى تدخلات إقليمية. لكن بصرف النظر عن الحيثيات، تنسى واشنطن وتتناسى أن الاحتلال كان في أصل المشكلة كلها.. «الاتفاقية» إحدى نتائجه. التصحيح يبدأ في تسهيل التوصل إلى صيغة، تكون بداية معالجة الأصل.
من خلال التمهيد للانسحاب من العراق. المدخل يكمن في الاتفاق حول هذه الصيغة؛ إذا كانت الغاية النهائية هي الانسحاب الفعلي، في موعد نهائي متفق عليه، في مسودة المشروع. بالمقابل مطلوب من القوى العراقية، حسم أمرها في الإجماع على الصيغة المقبولة.
المعروف أن كافة الأطراف السياسية موافقة من حيث المبدأ على الاتفاقية. لكن على مستوى التفاصيل، منها مؤيد ومنها معارض وآخرون يطالبون بالتعديل. لا شك أن واشنطن تلعب على غياب الإجماع هذا. إن تحقيق الإجماع هو وحده الكفيل بوضع حدّ للغة التهديد الأميركية؛ والخروج باتفاقية تقلل الخسائر وتمهد لانسحاب وشيك.
