أشرنا في مقال أمس الأول إلى الشهادات الصحية المزورة التي ضبطتها بلدية دبي والتي تلاعبت بها مستشفيات وعيادات خاصة لصالح عمالة وافدة في الدولة. فقد اكتشفت البلدية أنهم مصابون بأمراض خطيرة ومعدية كالإيدز والكبد البائي وغيرها من الأمراض.
وقلنا إن وزارة الصحة التي فرضت إجراء هذه الفحوصات في المستشفيات التابعة للوزارة أو للهيئة الصحية بإمارتي أبوظبي ودبي بعد هذه المخالفات، قلنا انه لابد وان تكثف الوزارة رقابتها أيضا على العاملين في القطاع الحكومي وفي مجال إصدار شهادات اللياقة الصحية لأننا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نجزم على نزاهتهم وإخلاصهم في العمل، فالفساد لا هوية ولا مكان محدد له، وقد يتواجد في أي قطاع متى ما غابت الضمائر المخلصة ومتى ما غابت عيون الرقباء عنه.
وبما أن التصدي لهذا النوع من التجاوزات أمر في غاية الأهمية لما تتسبب فيه من كوارث صحية وإنسانية ومجتمعية، فلابد أن نطالب وزارة الصحة والجهات المعنية بإصدار التراخيص الطبية بأن تكشف عن أسماء المستشفيات والعيادات الخاصة التي قامت بتزوير شهادات اللياقة الصحية والتحقيق معها في ما سبق من تجاوزات، لأنها ارتكبت خطأ فادحا، وربما تخفي أخطاء أكبر وأسوأ واشد خطورة لابد من اكتشافها والوقوف عندها ومحاسبة المتجاوزين والمخالفين دون تركهم يعبثون بصحة مجتمع باكمله. إذا كانت هذه المستشفيات والعيادات الخاصة قد غضت الطرف عن المصلحة العامة في مسألة تتعلق بأمراض معدية تكتشفها في عمالة استشرت في المجتمع بصورة كبيرة، فكيف نثق بأي إجراء آخر تقوم به عندما نعرض أنفسنا عليها أو عندما نذهب بالخدم لتقوم بفحصهم؟ وكيف نميز بينها وبين عيادات أخرى تبقى بعيدة كل البعد عن هذه الممارسات.
الدولة تضم أعدادا كبيرة من العمالة التي تنتمي إلى جنسيات متعددة وتنحدر من ثقافات ومجتمعات مختلفة، الأمر الذي يعني سهولة انتقال بعض الأمراض المعدية أو حتى النادرة إلى مجتمعنا والانتشار فيه طالما اننا لم نضع إجراءات كافية تحول دون ذلك. لذا فإن هذه المستشفيات والعيادات الخاصة التي زورت في شهادات اللياقة الصحية مخطئة ومذنبة ولابد من محاسبتها وتسجيل تلك المخالفات عليها لتكون عبرة للغير ممن يعبثون بالقانون ويستغلونه لصالحهم دون أن يكترثوا للمصالح العامة.
إن الاكتفاء بحصر الفحوصات في القطاع الحكومي، وعدم مساءلة المتجاوزين في القطاع الخاص ينذر بتداعيات أكبر ومشكلات اخطر يرتكبها القطاع الخاص في حق المرضى وفي حق المجتمع، وطالما أن الدولة تعتبر القطاع الخاص شريكا حقيقيا في المسؤولية، فلابد أن لا تصمت عن تجاوزاته ولا عن مخالفاته بل لابد أن تهدد شراكته تلك متى ما خرجت على القانون، ومتى ما أساءت إلى مجتمع يعاظم من فوائد هذا القطاع الطبي الذي نعول عليه ليكون عونا للمرضى لا عونا عليهم.
لا ننكر وجود الخطأ في كل مكان وزمان، لكننا ضد تعمد الخطأ وضد تحول المسألة إلى أمر يعتاد عليه الأفراد عندما تغيب عنهم عيون الرقباء. الأسباب التي دفعت المستشفيات والعيادات الخاصة لتزوير الشهادات الصحية ستوجد لدى غيرهم ثغرات يمكن خرقها لتجاوز القانون مرة أخرى حتى وان كانوا يعلمون في القطاع الطبي الحكومي، الأمر الذي يستلزم إحكام الإجراءات والآليات للحفاظ على صحة وسلامة مجتمع.
