ثمة مقالات يعتز بها أي كاتب لأنها ثمرة تأمل وقراءات واستنتاجات جيوسياسية وتاريخية، ولعلني اذكر مقالا مهما نشرته بعد أحداث ضرب مركز التجارة في نيويورك وأشرت فيه الى ان طريقة التصرف الأميركية حيال ذلك ستحدد مصير الولايات المتحدة لاحقا فإن ركب الرئيس الأميركي جورج بوش رأسه وتصرف من منطق القوة بعقلية الكاوبوي فإن هذه ستكون بداية النهاية للإمبراطورية الأميركية وإن تصرف بهدوء وحكمة فإنها ستكون نهاية البداية للقاعدة.
لأن الخيار الأول سيحول القاعدة الى قواعد وسينشرها في أرجاء الأرض فيما الخيار الثاني المستند الى الدبلوماسية والعمل السياسي وحل الأزمات في المنطقة سيجعل الولايات المتحدة تكسب الحرب دون ان تريق نقطة دم واحد. وذلك بالعمل فورا على حل القضية الفلسطينية التي تستخدم كغطاء لكل التيارات والأحزاب والجماعات.
بوش اختار خيار الكاوبوي وساعدت سياسته على نشر القاعدة في كل أرجاء العالم.. وغطت هذه السياسة على الاحتلال الإسرائيلي وزادت القضية الفلسطينية تعقيدا بدعمه اللا محدود لارييل شارون ومنحه فرصة ومزيدا من الوقت للقضاء على الانتفاضة، ثم جاء احتلال العراق بدعوى وجود علاقة بين نظام صدام حسين والقاعدة وهو ادعاء ثبت كذبه لاحقا كما ثبتت مقولة خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل. وهنا بدأ الانهيار الأميركي عسكريا لأن الحرب شنت على أساس مصالح إيديولوجية اقتصادية وأكاذيب ومزاعم لا أساس لها من الصحة.
وحرب كهذه لا بد وان تحدث خللا في الأداء الأميركي داخليا واقتصاديا وسياسيا واجتماعيا. ولعل الأزمة المالية الحالية يفسرها البعض كنتيجة حتمية لرمزية الهجمات على مركز التجارة العالمي وكأن الفاعل أراد ضرب الاقتصاد الأميركي. وقد ألحقت هذا المقال على ما أذكر بمقال آخر عند بدء غزو العراق ووصول القوات الأميركية على مشارف بغداد بينما ظل ميناء ام قصر على حدود الكويت يقاوم.
وقلت في حينه انه مثلما سقطت رام الله أثناء الاجتياح الإسرائيلي دون مقاومة رغم وجود آلاف المقاتلين ورجال الأمن وياسر عرفات، فإن مخيم جنين البعيد عن عاصمة السلطة الفلسطينية ظل يقاوم ويكبد الاسرائيليين قرابة 28 قتيلا وكلما أبتعد المقاتل عن مقر القيادة كلما كانت مقاومته أشرس. فالحرب الحقيقية في العراق ستبدأ بعد سقوط النظام في بغداد، وهذا ما حدث فعلا.
عودة الى البدء وبداية النهاية للإمبراطورية الأميركية فإن الإحداث المتوالية والأزمات المتتالية التي تشهدها الولايات المتحدة ذات أبعاد كارثية على أميركا أكثر من العالم.. ولا أظن ان ضخ السيولة التريليونية سيعالج الأزمة.
لأن أزمات الكساد عالميا كانت تفضي الى حروب أبرزها الحرب العالمية الثانية التي جاءت بعد الكساد الأميركي الشهير في الثلاثينات والكساد الاوروبي الذي أفرز وصول الحزب النازي الى الحكم في المانيا وانتعاش الشيوعية في روسيا وشرق اوروبا.. وفي حالتنا الراهنة فإن الأزمة المالية ستبقى بلا حل جذري لمدة طويلة لأن الحلول الحالية مجرد مسكنات مؤقتة.
فالاقتصاديات الرأسمالية بل الحضارة الغربية بنيت على أساس مثلث احتكاري هي الأيدي العاملة الرخيصة والأسواق الفقيرة المفتوحة والمواد الخام المنهوبة بأسعار منخفضة من دول العالم الثالث وهذا المثلث المتوحش بدأ في التفكك تدريجيا في خضم محاولته الاستحواذية على مقدرات كوكب الأرض برمتها تحت ستار الأسواق المفتوحة والعولمة وتكتلات احتكارية لكبريات الشركات في مجالات البنوك والتأمين والمعادن والاتصالات وغيرها.
وهذه التكتلات بين الشركات الكبرى بدأت تسير جيوشا وحكومات وتؤسس لمرحلة نهاية الدولة وقيام السلطة الخادمة للاحتكارات والتحالفات المالية والاقتصادية.. فنشوب حرب عالمية بات محتملا للخروج من الأزمة الحالية لأن العقلية الاستحواذية للديمقراطيات الغربية تشبه العقلية الدكتاتورية لأن الدكتاتور عندما يمر في مأزق داخلي فإنه يحله بصراع خارجي للتغطية على أزمته وللحفاظ على بقائه وإعادة خلط الأوراق وفقا لمصالحه..
ولعل صدام حسين عندما غزا الكويت كان يحاول الهرب الى الأمام من أزمة داخلية وشيكة قد تطيح به فلديه جيش عرمرمي خاض حربا طويلة ضد إيران وتسلح جيدا وهذا الجيش لا يمكن إلا ان يفرز محاولات انقلابية لاحقا عندما يعود الى ثكناته.. ولهذا قفز نحو الكويت وكانت بداية نهايته مثلما قفز بوش الى أفغانستان والعراق وقلنا إنها قد تكون بداية نهايته..
فالخطر المحدق بالولايات المتحدة حاليا ليس مجرد احتمال وصول رئيس أسود الى الرئاسة بل نهوض الأقليات كلها.. وتملل الولايات المتحدة الثرية لأنها ترى في ولايات فقيرة عبئا عليها.. فالاضطراب الداخلي الأميركي وارد في أية لحظة مع خطر إعادة الانقسام بين الجنوب والشمال مع ما يحمله ذلك من مخاطر أفول الحقبة الأميركية وبدء حقبة أوروبية روسية صينية.
وبغض النظر عن مدى خيالية هذه التنبؤات إلا أن الازمة المالية الحالية تؤسس لأزمات لاحقة، لا أحد يمكنه التكهن بخطورتها، فالبدايات عادة تشير الى النهايات.. وأرى ان البدايات مفجعة لأن من يحاول كبحها هم أسبابها فبدلا من التوجه نحو نظام مالي سياسي رشيد نجدهم يصرون على النهج القديم.
صحيفة الحياة الجديدة ـ فلسطين
