في حواراتهم وتصريحاتهم الوداعية، يبدو أن المسؤولين المعنيين في إدارة الرئيس بوش مصرّون على الاستخفاف بالمنطقة. بل على استعباطها. وكأن هذه الأخيرة بلا ذاكرة. أو كأنها بلا بصر ولا بصيرة. منهم من تولى، تقديم جردة تصوّر الأوضاع، في الشرق الأوسط، على أنها تغيّرت، خلال الفترة الأخيرة، نحو الأحسن.
ومنهم من لم ير ما يتحدّث عنه سوى تكرار مطالبة العرب، بتقديم التنازلات المجانية لإسرائيل؛ والتي لا تستقيم مع الواقع ولا مع المنطق السويّ. ولا تتفق، بالتأكيد، مع أبسط شروط السعي العملي، نحو سلام قابل للحياة. آخر منتجات هذه البضاعة، كان ما جاء على لسان مساعد وزيرة الخارجية الأميركية، دافيد والش، خلال وجوده في المنطقة؛ من أن واشنطن ترغب في أن ترى تحركاً، من جانب البلدان العربية التي لا توجد لها علاقات مع إسرائيل، باتجاه هذه الأخيرة. يعني المطلوب منها، تطبيع علاقاتها مع تل أبيب.
وفي محاولة لإعطاء كلامه مسحة توازن مفتعل، سأل إسرائيل بأن «تقوم أيضاً بنفس الشيء وتقترب من الدول العربية». تناسى الدبلوماسي الأميركي وتجاهل، بأنه يطرح مقايضة عوجاء. وأن الموازنة التي صاغها، لفظية وملغومة. التقرب من العرب، الذي يحث إسرائيل عليه؛ لطالما سعت هي إليه. ليس كرماً أو تعففاً ولا شغفاً بالسلام. بل لأنه مكسب صاف ومجاني لها.
لم يطالبها، جرياً على عادة واشنطن في هذا الخصوص، بالتراجع عن نتائج عدوانها.أو في أقلّه، بالعودة عن توسيع وبناء المستوطنات. ولا حتى بالتوقف عن عدوانها المتواصل والمستمر؛ على الشعب الفلسطيني. الثمن طلبه، أيضاً كالعادة، من الجانب العربي. وكأن إسرائيل تنتظر هذا التطبيع المسبق، لترد عليه بانسحاب كامل شامل؛ مع تقديم سلام دائم عادل، لجيرانها، على طبق من فضة.
معادلته، تفيد أن عملية التقارب المتبادل، المفقودة؛ هي وراء التعثر في عملية السلام. تغييب قسري للأسباب الفعلية، كما للحقائق. وكأن مساعد الوزيرة، بحاجة إلى تذكيره بمجريات عملية التفاوض، منذ أوسلو.
أو حتى منذ مجيء هذه الإدارة وما طرحته ـ لتقطيع الوقت ـ بدءاً من خريطة الطريق وانتهاء بمؤتمر أنابوليس وما تلاه من عهود ووعود بإقامة دولة فلسطينية قبل رحيل الإدارة. أو كأنه كان بحاجة إلى تذكيره بـ «المبادرة العربية»، التي نبشت سيرتها إسرائيل قبل أيام، وبعد ست سنوات وبصورة يلفّها المكر. ما قاله والش، ليس بجديد.
خطاب مألوف، اعتاد العمل وفق قاعدة تقوم على ثنائية مطالبة العرب بالتنازلات على غير انقطاع وحتى التعجيز؛ وبالمقابل استنباط الذرائع على الدوام، لحماية إسرائيل من تقديم أي تنازل. نجحوا في فرضها. لكن محاولة وضع العربة أمام الحصان، لم ولن تغير في الأمر شيئاً. والتاريخ شاهد.
