في الوقت الذي ينشغل فيه العالم كله بمتابعة الأزمة المالية والبحث عن حلول لها، اعتمدت أمس دولة الإمارات العربية المتحدة، وفي وقت يعد مبكراً الميزانية العامة للدولة للسنة المالية 2009، في جلسة استثنائية عقدها مجلس الوزراء برئاسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في أبوظبي. وقد بلغت الميزانية المعتمدة 42 ملياراً و200 مليون درهم من دون عجز مالي. وبالإعلان عن هذه الميزانية يمكننا اعتبار ذلك ضمن مساعي الحكومة وتحركاتها الرسمية التي تؤكد أن اقتصاد الإمارات بخير.
إن الملفت في اعتماد الميزانية علاوة على التبكير في الإعلان عنها هو تخصيص 23% منها لقطاع التعليم و37% منها لقطاع الخدمات، أي ما يعادل 60%، وهو ما يؤكد حرص الحكومة على الاستثمار في تنمية الإنسان وتعليمه من خلال التركيز على التعليم من جانب، وحرصها في الوقت نفسه على نفع الإنسان وتحقيق رغد عيشه من خلال الخدمات التي تقدمها من جانب ثان، أي الموازنة بين رؤيتها للمستقبل التي لا يمكن أن تتحقق من دون تربية وتعليم، وبين تطلعاتها في الحاضر لمستوى وطبيعة معيشة؛ لا يمكن للإنسان أن يتطور فيها بالتعليم وحده مهما كانت جودته مالم يوجد في المكان السليم، وما لم يحظ بصحة سليمة.
بعد اعتماد مجلس الوزراء للميزانية، التقى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم مباشرة بأعيان الدولة في مجلسه الأسبوعي بقصر زعبيل. وقد تجاذب أطراف الحديث معهم حول تطورات الأزمة المالية وردود أفعال الدول فيها، بما فيها دولة الإمارات، بالإضافة إلى بشرى اعتماد الميزانية الاتحادية من دون عجز مالي.
وقد علق أحد الحضور قائلاً إن هذه الأزمة تتيح دروساً لابد من تعلمها لنتجاوزها ونتجاوز أزمات مماثلة في المستقبل، فقال سموه: «إن الإنسان لا يملك الوقت أحياناً ليتعلم من أخطائه لكنه يملك بالضرورة الوقت الذي يتعلم فيه من أخطاء الآخرين لأننا في النهاية بشر وأخطاؤنا متشابهة ويمكن أن تتكرر، ونحن هنا في الإمارات، مشيراً سموه إلى مختلف فئات المجتمع.. نتعلم من أخطاء الغير، ونستفيد من أخطاء الغير، ونتناصح لنصنع مستقبلاً نطمح إليه، إذ لا وقت لدينا لنضيعه في البكاء على أزمات وتحديات لابد أن نواجهها بما نملكه من أدوات».
وهو الأمر نفسه الذي حرص سموه على تأكيده في اجتماع مجلس الوزراء، إذ وجه سموه أصحاب المعالي الوزراء بضرورة تطوير أداء وزاراتهم ومواكبة العصر حتى تظل دولتنا دولة المؤسسات والقانون والتميز، وأكد سموه أن هذا الطموح الذي تتطلع الإمارات إلى تحقيقه بزمن قياسي وبجهود استثنائية يجب أن لا يتراجع مهما كانت صعوبة التحديات.
وبالإعلان عن الميزانية الاتحادية التي تميزت بأنها من دون عجز، لا يسعنا إلا التأكيد على حقيقة أن العالم مهما تقدمت خطواته ومهما حقق من إنجازات، فلابد من أن تعتري طريقه تحديات وأزمات لأنها سنة الكون ولا يمكن الاعتراض عليها، لكن الإصرار على العلم والعمل يجعل الإنسان قادراً على تجاوز التحديات والعراقيل مهما بلغت صعوبتها.
فكون الأزمة المالية العالمية تلقي بظلالها على العالم بأكمله، لا يعني ذلك أن تتوقف خطط التنمية، ولا يعني أن تتعطل الميزانيات أو تتقلص، ولا يعني أن نغفل عن الخطط التنموية الطموحة التي لابد وأن تمضي في طريقها مستثمرة في الإنسان والمكان، وهو ما تنتهجه الإمارات حتى في أشد الأزمات، ليبقى اقتصادنا الوطني دائماً بخير بحول الله وقوته.
