ما هي يا ترى علاقة الشارع العربي بصناعة القرار السياسي؟ وهل هناك رأي عام عربي أصلا؟ وإلى أي مدى يستطيع الشارع العربي أن ينتقل من مرحلة المظاهرات والمسيرات إلى مرحلة الفعل والتأثير في القضايا والشؤون العامة.

في فنزويلا استطاع الشارع في هذا البلد الذي تحدى الولايات المتحدة الأميركية أن يعيد الرئيس هوغو شافز إلى الحكم واستطاع هذا الشارع أن يُفشل خطة المرتزقة وأسيادهم ممن يدبرون الانقلابات والإطاحة بالدول التي تختلف معها أيديولوجيا وسياسيا. وفي الفلبين استطاع الشارع الفلبيني أن يرغم الرئيس جوزيف استرادا على التخلي عن الحكم وأن يقدم للعدالة بسبب تورطه في عمليات رشوة وسوء إدارته للشؤون العامة في الفيليبين.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو متى يصبح الشارع العربي قوة تنجب الأفعال ومتى يقضي هذا الشارع على تلك الفجوة القاتلة بينه وبين الحكام حيث نلاحظ أن الشارع في اتجاه والسلطة في اتجاه معاكس تماما.

وفي بعض الأحيان نلاحظ أن الشارع ما هو إلا عبارة عن فولكلور شعبي يُخترق ويُستخدم من طرف القوى الفاعلة في المجتمع لتحقيق مصالح هذه الحفنة المسيطرة على الشؤون السياسية والمالية في البلاد، وفي أحيان أخرى يُستعمل للترفيه والتسلية ولأحلام اليقظة.

فالشارع العربي لم يرق بعد إلى درجة القوى المضادة التي تراقب وتعارض وتفرض إرادتها على السلطة، فالملاحظ أن هذا الشارع ورغم أنه يمثل الرأي العام ويمثل عفوية الجماهير والفئات العريضة من المجتمع والإرادة البريئة لملايين البشر إلا أن تجسيد هذه الإرادة في الفعل السياسي وفي القرار السياسي يبقى في خانة المستحيل والعقم لعقود من الزمن. فقبل أن نتطلع إلى رأي عام عربي فاعل يجب أن نستفسر عن متطلبات ومستلزمات فاعلية الرأي العام في المجتمع. ما هي يا ترى مكانة الفرد في العملية السياسية؟ هل من مؤسسات سياسية فاعلة في الوطن العربي؟

كيف يُصنع القرار في الدول العربية؟ ماذا عن الحريات الفردية وحرية الفكر والرأي وحرية الصحافة والتعبير والتجمعالخ. وبالإجابة عن هذه الأسئلة نستنتج أن الفرد في العالم العربي هو مجرد رقم وأن معظم المؤسسات التي تمثله نجدها تفتقد لمفهوم المؤسسة ولمفهوم المجتمع المدني. ومن هنا نجد أن السلطات المضادة تنعدم تماما في المجتمع وبذلك يصبح الفعل السياسي يسير في اتجاه واحد تنعدم فيه السوق الحرة للأفكار ويغيب عنه الرأي الآخر وتٌصادر فيه الحريات وبذلك يتدهور الأداء السياسي وينحط القرار السياسي إلى أدنى مستوى.

نتساءل هنا كذلك على الطريقة التي وصلت بها الأنظمة العربية إلى الحكم ونتساءل كذلك عن شرعية هذه الأنظمة، وفي غالب الأحيان نجد أن هذه الأنظمة فرضت نفسها على الواقع السياسي وجاءت بدون الرجوع إلى الإرادة الجماعية في المجتمع إلا نادراً وبذلك لا شرعية توجد ولا مرجعية جماهيرية تربط الحاكم بالمحكوم، فالمرجعية هنا ليست الشعب، بل استبداد وتسلط الحاكم.

فالرأي العام يمثل أساس السلطة في عصر ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال وعصر الصراع المحتدم على من يملك المعلومة ويصنع المعرفة، والرأي العام يلعب دورا استراتيجيا في المجتمعات الديمقراطية، وتزايدت أهميته في عصرنا هذا حيث إنه أصبح يمثل المرجعية الأساسية في صناعة القرار وفي الفصل في الكثير من القضايا الحساسة والمصيرية.

فالرأي العام هو السلطة الحقيقية التي تعتمد عليها الدولة في تجسيد شرعيتها وتثبيت وجودها سواء على الصعيد المحلي أو الدولي. وكلما اعتمدت السلطة على الرأي العام ورجعت إليه في معالجة القضايا المطروحة في المجتمع كلما نجحت في تدبير أمورها وفي كسب رضا الشارع.

فالرأي العام إذن هو الوجه الآخر للديمقراطية وحرية الصحافة، حيث إنه يتفاعل ويتأثر ويؤثر في كل منهما. فالديمقراطية التي لا تعتمد على الرأي العام لا نستطيع أن تكون كذلك، والصحافة الحرة التي لا تشكل وتكوّن الرأي العام وتؤثر فيه وتتأثر به لا نستطيع أن نسميها صحافة حرة وفاعلة.

وفي كل ما تقدم نسأل ما هي العلاقة الموجودة بين السلطة العربية والشعب العربي «الرأي العام» في التعامل مع الأزمات ومع القضايا المصيرية والمهمة وخاصة القضايا التي تمس مشاعر وأحاسيس ومصالح الشعب مباشرة. وهنا نلاحظ أن الرأي العام العربي مهمشاً ومغيّبا في الكثير من القضايا التي تهّمه من قريب أو بعيد.

قد يتساءل المواطن العربي من المحيط إلى الخليج هل من وجود للرأي العام في الدول العربية؟ وكيف يصنع ويشكل هذا الرأي العام إذا كان موجودا وهل يقاس ويؤخذ بعين الاعتبار في اتخاذ القرارات التي تهم الأمة والمجتمع. الكلام عن الرأي العام يتطلب عنصرين مهمين، وهما الديمقراطية وحرية الصحافة.

وفي غياب هذين العنصرين يصبح الكلام عن الرأي العام بمعناه الجوهري والحقيقي أي الرأي العام الفعال والصحيح والناضج والقوي بدون جدوى ولا فائدة. فمن دون أخبار ومعلومات ومعطيات معتبرة من الناحية النوعية والناحية الكيفية، لا يستطيع الجمهور أن يتخذ موقفاً واضحاً ومبنياً على أسس سليمة بشأن القضايا التي تطرح يومياً على أفراد المجتمع وفي مختلف الشؤون والمجالات.

وفي الكثير من الأحيان تطرح قضايا جوهرية في المجتمع ويبقى الشعب المسكين تائها في اتخاذ موقف من القضية لا لشيء إلا لأنه يفتقد للمعلومات ومكونات القضية وعناصرها، وهذا ينجم عادة عن انعدام التدفق الحر للمعلومات وللأخبار في ظل غياب حرية الصحافة.

ومن جهة أخرى ولأسباب عديدة ومتداخلة نجد غياب وجهات نظر وأفكار جهات مهمة ورئيسية في المجتمع حول القضية المطروحة وهذا بسبب انعدام القنوات الحرة للتعبير عن الرأي. وهنا نخلص إلى أن القنوات السليمة والصحيحة التي تكوّن وتشّكل وتصنع الرأي العام مغيبّة تماما في معظم الدول العربية، وهذا يعني أن فاقد الشيء لا يعطيه.

الدرس الذي نستخلصه من عقم الرأي العام العربي هذه الأيام هو أن الشارع العربي مهمّش ومغيّب في الكثير من القرارات المصيرية والجوهرية التي تُتخذ بشأنه، وفي الكثير من الأحيان يكون هو آخر من يعلم بها.

وفي ظل هذه الآليات المتخلفة وغير المنهجية في صناعة القرار وغياب التفاعل الديناميكي والحركي والإيجابي مع الشارع يتعذر مهما اجتهد صانع القرار ومهما عمل على النجاح والاستجابة المثلى لمتطلبات المجتمع وتبقى عملية الاستغلال الأمثل للثروات البشرية والثروات المادية أمرا صعب المنال. فقنوات الاتصال بين السلطة والشعب وبين السلطة والهياكل السياسية المختلفة ضرورية جدا لإيجاد بيئة صحية يسود فيها الحوار والنقاش من أجل تفاهم أكثر ومن أجل اتصال فعّال يقضي على كل مواطن الالتباس والمغالطة والتهميش والإقصاء.

إشراك الشارع في العملية السياسية والممارسة السياسية وبذلك إشراكه في صناعة القرار هو السبيل الأمثل للقضاء على الفجوة القاتلة بين طموحات الشارع وقرارات الحاكم.. متى سيحدث التناغم والتناسق بين الطرفين؟ ومتى سيتخطى الشارع العربي مرحلة الفولكلور والبهرجة الإعلامية ويرقى إلى مستوى التأثير والفعل والمشاركة في صناعة القرار؟

عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة

okirat@sharjah.ac.ae