التراث هو تراكم الإنتاج الذهني والروحي والمادي للشعوب في الماضي وهو أحد مصادر ومنابع الفكر في الحاضر، ويحمل هذا التراث الإيجابي والسلبي، وأحياناً يكون عبئاً ضاغطاً على الحاضر والمستقبل، يجب أن يخضع للنقد العقلاني الموضوعي دائماً.

والحداثة هي ذلك التجديد للفكر بسبب تطور الواقع وتحولاته، ولا تحديث بدون فكر حداثي، وقد ساد فكرنا منذ أكثر من قرن ثنائية الصراع بين التراث والمعاصرة أو الأصالة والمعاصرة، وتم التصنيف على أساس أن التراث أحد مكونات الشخصية العربية الإسلامية، وأن الحداثة هي فكر غربي جاءنا من الخارج! فبالغنا في تمسكنا بالتراث، وبالغنا في رفضنا للحداثة. واكتشفت النخبة العربية والإسلامية المفكرة والمثقفة بأن المشروع النهضوي لدينا لا يستغني عن الاثنين لكن بشروط موضوعية يفرضها الواقع ورؤانا المستقبلية.

ويطرح البعض ضرورة التحرر من قيود وثقل التراث حتى نبني مشروعاً للنهضة ونطبقه على الواقع، ويطرح آخرون ضرورة التخلص من الفكر الغربي الحداثي العولمي وأن لدينا مقومات النهضة بدون ذلك الفكر. هذه القطيعة والتقاطع بين الاتجاهين أدّت إلى الصراع بين تيارين في خطين متوازيين لأكثر من قرن من الزمان ولم يلتقيان ولم يحل أي منهما إشكالية الفكر في عالمنا العربي. إن السؤال المحوري الذي طرح في الماضي ويطرح اليوم هو: لماذا تقدمت أوروبا وتخلفنا نحن العرب والمسلمين؟

إن الإجابة على هذا السؤال تطرح نقدنا لتراثنا ومعرفة إيجابيات الغرب الذي تخلص خلال ثلاثمئة سنة من عبء وثقل تراثه، لقد انتقى من التراث لفكرة الجديد، ونحن نحتاج أن ننتقي من تراثنا لتجديد فكرنا ومن ثم واقعنا ليس برفض التراث جملة وتفصيلاً، ولا بأخذ الحداثة الأوروبية معلبة دون مراعاة واقعنا. لم نع بعد قضية خطيرة في فكرنا ونهجنا وفهمنا للتاريخ الثقافي هي أن هذا التاريخ السائد اليوم اجترار وتكرار وإعادة إنتاج للتاريخ الثقافي نفسه ولذلك نحن متخلفون.

إن المعركة طالت وامتد زمانها بين التراث والحداثة بين العودة للتقليد وضرورة التجديد. وأوضح صورة لتلك المعركة هو سعي السلفيين للتمسك بالماضي والهروب إليه كمنقذ لمشاكلنا وبناء حاضرنا ومستقبلنا والشعور بالهلع من الحداثة وتأثيراتها، وسعي الحداثيين إلى التجديد مستفيدين من الغرب لكن في المقابل بالهروب إلى المستقبل ويبقى الحاضر والواقع المسكين ضحية ذلك الصراع. لا ينبغي رفض أي من التيارين لكن هناك ضرورة لخروج تيار توفيقي حتى لو لم تنجح توفيقية الماضي من حل الإشكال بين الثقافتين.

نحن لا نستطيع أن نستغني عن التراث ولا عن الحداثة حتى تنهض هذه الأمة ولذلك لابد من تجسير الفجوة بين فكر التيارين ليس بعقلية نظرية المؤامرة بالسلفية الكاملة والعودة كلية إلى التراث، ولا بالحداثة المعلّبة المستوردة بل بداية ونقد الاتجاهين لبناء فكر للنهضة يقوم على التجديد لفكرنا، أما كيف يكون ذلك التجديد فليس هنا مجال الإجابة عن هذا السؤال هذا شأن المفكرين والمثقفين الحقيقيين، نحن الآن مع الأسف في مرحلة الصراع في هذه التاريخية، ولم نتجاوزه إلى مرحلة أرقى وأفضل بالحوار الإيجابي داخل اتجاه فكري ومن ثم بين الاتجاهين المتناقضين.

لقد حدثت في الواقع العربي والإسلامي أحداث خلال العقود الأخيرة الماضية ساعدت على التباعد بين الاتجاه التراثي والاتجاه الحداثي بسيطرة التيار الديني على الواقع العربي والإسلامي وتراجع تيار الحداثة.

إن التيار السلفي التراثي يضر بقيم ووجود تياره عندما يزداد تزمتاً وتشدداً وتعصباً، وكذلك يضر تيار الحداثة بتياره عندما يكون مواجهته ردة فعل لهيمنة التيار الديني السلفي. وليس المطلوب مسك العصا من منتصفها بل التوفيق الذي ينتج عنه تياراً إصلاحياً تجديدياً نهضوياً لهذه الأمة.

إن بحث هذه الإشكالية يتطلب وبإلحاح أن نطرح السؤال مرة أخرى: كيف نهضت أوروبا وتخلفنا نحن؟ عندما نقف على الأسباب نكون قد وضعنا أقدامنا على بداية الطريق الطويل بعيداً عن التخويف من العلمانية والليبرالية أو التمترس التراثي. يقول المفكر المغربي محمد عابد الجابري لقد جعل الأوروبيون العقل يسود التاريخ.

وجعلوا التاريخ يحرك العقل هدفهم إقامة استمرارية تشكل إطاراً مرجعياً ثابتاً وواضحاً لفكرهم بحيث يمكن الفصل بين ما قبل وما بعد وبذلك استطاعوا التخلص من ثقل ماضيهم عليهم وأصبح ماضيهم يسندهم ويدفع بهم إلى الأمام دون أن يتنكروا مستفيدين من تراثهم لبناء مستقبلهم، وقد كانت العقلانية الدعامة الأساسية للفكر الأوروبي الحديث والمعاصر.

أما نحن العرب والمسلمين فقد عشنا ولا نزال دوامة الدوران حول أنفسنا لا بل العودة السريعة إلى الماضي وليس الماضي الحضاري بل إلى الإنشداد إلى التراث خوفاً من التجديد والتحديث، وساعد تقاعس وتراجع حركة التنوير في مجتمعاتنا على تراجع فكرنا ومن ثم عدم تطوير الواقع الذي سنبني عليه المستقبل، فقد تراجع الإبداع الفكري لدينا، وانزوى مثقفونا خوفاً من اتهامهم بالزندقة والكفر.

وتراجع الوعي، ولم نجد في حاضرنا نخبة أو طليعة مفكرة مستنيرة تبادر إلى وقف هذا التدهور ثم إعادة البناء، أما وجود عدد من المثقفين الحقيقيين العقلانيين من كل الاتجاهات والتيارات في واقعنا العربي الذي يبثون فكراً مستنيراً محدوداً في بحر عربي وإسلامي تراثي لا حداثي لن يواجه الإشكالية ويبنى نهضة وإن بشّر بها، إن عملية إعادة بناء الوعي في العالم العربي على أسس عقلانية تخفف من عبء التاريخ التراثي على الحاضر ضرورة في هذه المرحلة للمرحلة القادمة وهذه المسألة تحتاج إلى بحث ودراسة متأنية وعميقة.

كاتب كويتي

iyadh.essa@its.ws